تضم بالخرطوم (15) ألف عضو: إمبراطورية (ستات الشاي)..!!

ست شاي تقوم بترخيص السيارات للزبائن وأخرى تعبئ أسطوانات الغاز.. (تحرش ـ مضايقات ـ  خمور ـ حبوب خرشة ـ سرقات) أبرز المخاطر

تحقيق: إنتصار فضل الله ـ زينب بابكر

لم تقم صديقتي بترخيص سيارتها لعامين ليس بسبب الفلس ولكن نسبة لصفوف الترخيص الطويلة وإجراءاته الأكثر طولا ولكن أحدهم نصحها بأن تذهب للفحص الآلي فرع (….) حيث توجد ست شاي ماعليها إلا تسليمها مستندات السيارة (شهادة البحث) ومعها مبلغ محدد بخلاف تكاليف الترخيص وتقوم هذه المرأة بترخيص السيارة وما على صاحبتها سوى الاستلام!

أما في منطقة (….) فتوجد ست شاي جوار طلمبة الوقود الملحق بها مستودع غاز ونسبة لعلاقة السيدة هذه بالعاملين في المستودع وهم زبائنها فهي تستطيع أن تعبئ لك أسطوانتك دون صفوف بعد أن تدفع الفيها النصيب. والنماذج كثيرة.

هذا يعني ان  مهنة بيع الشاي والمشروبات الساخنة لم تعد ضمن المهن الهامشية مثلما كان ينظر اليها من قبل ، ولم تعد ست الشاي تلك المرأة الضعيفة المكسورة الفقيرة مهضومة الحقوق لا حول لها ولا قوة..  فقد تمرحل القطاع وتحول الى إمبراطورية مؤثرة وبقوة في حياتنا اليومية ، يضم بحسب احصائية صادرة من السلطات الحكومية المختصة عددا كبيرا من النساء متقدمات في السن وشابات   يعملن في هذا السوق الجاذب والرائج بولاية الخرطوم.

أثار التحول الذي يشهده القطاع نقاشات محتدمة في الأوساط الاجتماعية بشكل عام ، فيما أقرت وزارة التنمية الاجتماعية بوجود ضعيفات النفوس يروجن الخمور والمخدرات الامر الذي حفزنا على تناول القضية مستصحبين سيل الاتهامات الموجهة لـبعض ستات الشاي     .. فما الذي يدور خلف كواليس الإمبراطورية  ؟ هذا محور تحقيق استقصائي أجرته الإنتباهة.

  تحرش وشهوة

(نجوى).. في العقد الثالث من العمر التقيتها بالقرب من عمارة السلام للموبايلات لها (13) عاما تعمل في بيع المشروبات الساخنة قالت لـالإنتباهة ، سمعت باننا نروج المواد المخدرة تحديدا حبوب الخرشة ونضعها على المشروبات الساخنة ، واننا نستخدم عرق المحبة لجذب الزبائن خاصة الشباب وطلاب الجامعات وغيرهم ، وان المجتمع الذكوري ينظر لبعضنا نظرة شهوة .. لم أعط هذا الكلام اهمية لكن بعد تعرضي للتحرش من أحد الزبائن داخل مكتبه ذهبت اليه لتوصيل قهوة ، أيقنت خطورة ما يقال عنا وقررت ترك المهنة لكن ظروف الحياة أجبرتني على المواصلة ، وقتها لم يكن باستطاعتي طلب النجدة من اي أحد، فقانون الشارع لا يرحم واعتبرت نفسي السبب المباشر وراء تصرف ذلك الوحش للثقة الزائدة فيه ولتأخيري في العمل لساعات طويلة حتى بعد مغيب  الشمس في الشارع ، فأصبحت أتقبل كل ما يقال عنا في صمت تام .

حياة قاسية

توفي والد نجوى وهي لم تكمل الـ(10) سنوات من العمر لحقت به والدتها بعد عام تاركة مسؤولية خمسة اشقاء أصغرهم لم يكمل الثلاثة أعوام على عاتقها، انتقلت واخوتها للعيش مع خالتها التي كانت تعول اسرة مكونة من سبعة أفراد ، حكت : انها مرت بظروف معيشية قاسية جدا كان لابد من إيجاد عمل باي طريقة لسد الجوع ، فظلت  تطرق أبواب الحي الشعبي الذي تقطنه بامدرمان وتجوب الأحياء المجاورة  ، تغسل الملابس والعدة وتقضي احتياجات السوق لعدد من الاسر حتى أصيبت بمرض فقر الدم  انيميا فانتقلت للعمل مع خالتها في بيع الشاي وما زالت ، أقرت بوجود دخيلات على القطاع أسهمن بشكل او بآخر في تشويه سمعته وترسيخ صورة ذهنية سيئة قادت لإطلاق الاتهامات المتكررة من قبل البعض دون نفيها  من أي جهة تمثل القطاع.

مضايقات كثيرة

ونجوى ليست وحدها التي وضعتها مرارة الحياة والفقر تحت ظل شجرة لممارسة المهنة  فـ نوال عمرها (45) عاما بدأت العمل في المجال منذ (25) سنة ، كشفت لـالإنتباهة ، عن نساء في القطاع أصبحن سيدات أعمال واخريات ما زلن في الشارع تربطهن علاقات قوية  ببعض المسؤولين في الدولة وبأطباء ومهندسين يحيطونهن بتعاطف كبير فتحسن وضعهن الاجتماعي والاقتصادي بشكل لافت ، وأخريات تحولن لخاطبات بحكم التواجد في الشارع والتفاعل مع الزبائن ، لكنها أشارت الى  تعرض الكثير منهن للمضايقات والتحرش من بعض الرواد والى  السرقات وخطف الموبايلات من عصابات النيقرز لدرجة انها أصبحت تحمل  سلاحا أبيض دفاعا عن نفسها عند الضرورة .

سند قوي

 وتابعت نجوى بحكم عملي بالقرب من طلمبة بالخرطوم توسعت علاقاتي ووجدت مصدر دخل إضافي ، حيث اقوم بمساعدة أصحاب العربات الملاكي من الزبائن بتوفير الوقود عبر ملء جوالين او باقات مدفوعة القيمة وتوصيلها اليهم بغرض المساعدة  فيمدون لي مبالغ مالية قصاد الخدمة ، وأردفت عندما يجلس الزبون لشرب قهوته يسألني علاقتك كيف مع ناس الطلمبة ديل ؟ وختمت نحن ما ستات الشاي الزمان لدينا معارف على مستوى عال وأصبحنا مسنودات من منظمات وحقوقيين .

مطاردات الإنقاذ

  (حواء)   (35) عاما ، لم تخرج من المنزل إلا بعد ان أغلقت جميع أبواب الرزق أمامها ، فكان بيع الشاي خيارها الاخير ، لم تنف وجود بائعات اتخذن من المجال واجهة لأعمال اخرى ، هاجمت العاملات الأجنبيات قائلة انهن السبب في  تشويه سمعة السوق في عهد الإنقاذ مما أسهم في الحملات المنظمة والمطاردات اليومية ومصادرة المعدات دون مراعاة لقلة الدخل والظروف المعيشية التي تواجه النساء ، ودافعت الشابة م بائعة شاي بالسوق العربي بعبارة اية مهنة خاصة بالمرأة تحيطها الانتقادات واعترفت أنهن يواجهن مضايقات كثيرة  ، واشارت الى واحدة من ستات الشاي لم تسمها اشتهرت بلعب دور الوسيط بين الزبائن من الجنسين الذين اعتادوا الجلوس عندها ـ وأردفت بالقول كل زبائنها بمثابة اصدقاء لها يبوحون بأدق تفاصيل حياتهم وانها احتفظت في علاقتها بهم بمساحة فاصلة تجنبها شر الوقوع في الخطأ .

مناشدة للشرطة

في لمحة لمسيرة القطاع تقول عضو جمعية بائعات الأطعمة والمشروبات فاطمة علي كردويش وبائعة شاي ، انه ينضوي تحت جمعية تعاونية في السابق كان هناك اتحاد محلول وقفت عضويته على تربية أجيال منهم الطبيب والمهندس والمعلم وغيرهم ، رافضة كل ما يضر بالسمعة في ظل تنوع الظواهر السلبية بدخول الأجانب والاجنبيات، واضافت يقع على ستات الشاي ظلم كبير ، وتأسفت انها لا تستطيع تكذيب الشرطة والرأي العام لوجود الظواهر المتسبب فيها بائعات في المناطق الطرفية ، مؤكدة نزاهة بائعات الشاي في الخرطوم وامدرمان واحترامهن للدولة ممثلة في الشرطة والإعلام وموظف الدولة العام، مشيرة الى تقديمهن الدعم للطلاب والمحتاجين، وناشدت الشرطة بمعاقبة اي سودانية تعمل في القطاع ثبت أنها متورطة في ارتكاب سلوك مسيئ وفضحها امام الرأي العام.

أعمال يدوية

اعترفت كردويش بسماعها لكل عمل سيئ في مجتمع بيع الشاي وتابعت لـالإنتباهة ،   ستات الشاي في منطقة ما بين النيلين وحتى السوق الشعبي الخرطوم معافيات تماما وسليمات ولدينا موقعان مميزان هما (59) والجمعية التعاونية الخاصة بنا   ، مشيرة الى ان الجمعية عملت اتحاد تعاوني نسوي للتدريب على الأعمال اليدوية لكنها اكدت وجود ظواهر سالبة في المناطق الطرفية مما أضر بالقطاع ، وناشدت جهاز الشرطة محاربتها حفاظا على السمعة، وذكرت أنموذجا يجب ان يحتذى به  وهي عوضية كوكو أقدم بائعة شاي التي رفعت رأسهن في امريكا قالت انها نشطة في محاربة الظواهر السالبة بالتعاون مع عوضية عباس رئيسة الجمعية التعاونية .

عدم معرفة

وكشفت كودويش ،عن تطورات في الجمعية وعن دراسة حالة للنساء والعمل على رفع القدرات من خلال التدريب المجاني لعضوات الجمعية على أجهزة الكمبيوتر وإدخالهن برامج محو الأمية  ، مع فرض رسوم رمزية لغير العضوات للارتقاء بالمهنة ، وعادت لتوضح ان مسألة الخرشة موضوع قاعدي كبير أدخلتها الحكومة البائدة ووصلت الطلاب في الجامعات وطلاب الثانوي عن طريق الدولة لدرجة انها أصبحت تجارة للطالبات حتى امتلأت زنازين سجن الهدى بهن ، أما ست الشاي المسكينة فتم استغلالها وهي لا تعلم خطورة هذه الحبوب ، فهي لو كانت تعرف هذا الطريق لما جلست في الشارع واكتوت بلهيب النار بالتالي هناك أيدٍ دخيلة متسببة في هذا الأمر.

محاربة الشائعات

 عوضية محمود كوكو أقدم ست شاي في الخرطوم ، رئيس جمعية كل المهن متعددة الأغراض ورئيس اتحاد بائعات الشاي والأطعمة المحلول ، رفضت بشكل قاطع اي اتهام يسيئ لسمعة بائعات المشروبات السودانيات في العاصمة ، مهددة بمقاضاة كل من تسول له نفسه فعل ذلك  ، قالت لـالإنتباهة اتهمت حكومة الإنقاذ في عهدها ستات الشاي وسائقي الركشات والجيش القادم من الجنوب بانتشار الايدز ، وحضرت فاطمة عبد المحمود رحمة الله عليها الى مقر الاتحاد حينها وتم إخضاع (200) عضوة  للفحص فكانت النتيجة (199) معافيات وواحدة فقط مصابة بـالكبد الوبائي وهي اجنبية ، والآن جاهزات لإعادة تجربة الفحص مجددا مبدية الاستعداد للخروج في وقفة احتجاجية لمحاربة الشائعات.

تدريب مهني

وتابعت كوكو تجنبا لإطلاق الشائعات عملت الجمعية على منع الكثير من البنات صغيرات السن من العمل في بيع الشاي وبالتعاون مع شبكة نساء القرن الافريقي صيحة ألحقناهن بالتدريب المهني في مجال الكهرباء العامة والميكانيكا وكهربة السيارات والتكييف والتبريد ، بذلك ابعدناهن من مخاطر الشارع والتحرش والقيل والقال ،  وأشارت الى اكتمال تدريب (450) فتاة حتى العام الحالي ، مؤكدة الدور العظيم لستات الشاي في ثورة ديسمبر والتغيير  مما يتطلب بذل الجهود لضمان مستقبل آمن لهن والعمل في ظل أجواء هادئة.

صيد  سهل

ووفقا لآخر دراسة أعدتها وزارة التنمية الاجتماعية ولاية الخرطوم ، ان (15) الف امرأة وفتاة يعملن في سوق المشروبات الساخنة داخل العاصمة السودانية ، غالبيتهن أرامل ومطلقات ويتامى  وأخريات يدفعن ثمن هروب الأزواج خرجن الشارع لتوفير لقمة العيش فاصطدمن بواقع مختلف ، فممارسة بيع الشاي رغم قدمها أضحت حالة استثنائية باعتبارها سوقا مفتوحا شهد خلال السنوات الأخيرة دخول العديد من الجنسيات الأجنبية التي يقوم أفرادها ببيع المشروبات الساخنة في مكان واحد ، وأشارت استشاري علم الاجتماع  آمال زين العابدين لـ(الإنتباهة) انه في ظل الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة من السهل وقوع بائعة الشاي خاصة صغيرات السن في مستنقع الرذيلة ويصبحن صيدا سهلا في شباك ضعاف النفوس ، فيسهل استغلالهن بحكم التواجد في الشارع دون ان يملكن معرفة وتجربة في تفاصيل الأوضاع ، وتلاحظ ان عدد البائعات في العاصمة يشهد زيادة لافتة.

مشروع ناجح

ومرت المهنة بمراحل عديدة ، ففي بدايتها كانت ملاذا للنازحات والفارات من مناطق الصراع والمناطق المتأثرة بموجات الجفاف والتصحر ، خلال السنوات الاخيرة توسعت رقعتها وزاد عدد العاملات فيها فجذبت كسوق نساء وفتيات من أعمار مختلفة عانين الفقر وتردي الأوضاع المعيشية ، مع مرور الوقت تحولت من مهنة الهامش الى إمبراطورية تضم نساء حظين بمواقع رئيسية ، يقول الخبير الاقتصادي محمد إبراهيم سعد ، في ظل الظروف الراهنة أصبح دخل بائعة الشاي اليومي ثلاثة  أضعاف مرتب موظف يتقاضى( 10 ) آلاف جنيه كحد ادنى  في الشهر ، مبينا ان بائعة الشاي لم تعد تلك المرأة الضعيفة  بل استمدت القوة من قعاد الشارع وتوسعت دائرة معارفها وعلاقاتها.

مخاطر كبيرة

وزارة التنمية الاجتماعية الجهة المسؤولة التي ينضوي تحتها القطاع ، لمعرفة الدور الذي تقوم به التقت الصحيفة مديرة ادارة المرأة والاسرة عوضية رحمة سليمان التي تحدثت عن النشاط من منظور رسمي ، مبينة انه يقع ضمن وصف النشاط غير المنتظم ولجه قطاع واسع من النساء بمختلف الجنسيات لأسباب اتساع رقعة الفقر والنزوح ، وقالت لـالإنتباهة   : تواجه بائعات الشاي مخاطر كثيرة أبرزها ترويج الخمور والمخدرات من قبل ضعيفات النفوس المتأثرات بالأجنبيات داعية المحليات لتنظيم المهنة بصورة حضارية من خلال توفير الأكشاك، ونادت منظمات المجتمع المدني بالرعاية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى