مدخلات الإنتاج وسلع الوارد.. جدلية الإعفاء

الخرطوم: هالة حافظ
تحت غطاء مواصلة الإصلاحات الاقتصادية القاسية، ألغت الحكومة بنهاية يونيو الماضي، على نحو مفاجئ، نظام العمل بما يعرف بالدولار الجمركي في تقييمها للسلع المستوردة، وهذه الخطوة أشاعت حالة من الذهول والخوف من تصاعد جنوني في أسعار السلع بالأسواق، وبدأت ملامحه بالفعل بعد وقت قصير من صدور القرار.
وسارعت وزارة المالية بإصدار بيان عاجل لطمأنة المواطنين بأن القرار لن يفضي إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية المستوردة التي تمس حياة المواطن أو مدخلات الزراعة والصناعة، بسبب المعالجة والمراجعة الشاملة التي تمت بإلغاء الرسم الإضافي وضريبة أرباح الأعمال التي تؤخذ مقدماً.
فضلاً عن تخفيض فئات الجمارك إلى الحد الأدنى، حيث أصبحت صفرية لبعض السلع الأساسية المستوردة.
بيد ان وزارة المالية لم تمهل القرار كثيراً، وذلك بإصدارها قراراً امس بإلغاء استثناء إعفاء مدخلات الإنتاج وجميع سلع الوارد من الضرائب والرسوم الجمركية، بحسب غرفة المستوردين التي أكدت ان هيئة الجمارك بدأت في تحصيل ضريبة أرباح الأعمال وضريبة القيمة المُضافة على جميع سلع الوارد دُون استثناء، الامر الذي سارعت هيئة الجمارك لنفيه.
الا ان مصدراً رفيع المستوى بوزارة المالية فضل حجب اسمه كشف لـ (الإنتباهة) معلومات جديدة عن جدلية الإلغاء او الإبقاء، حيث اكد ان امر الالغاء صاحبته ربكة بين هيئة الجمارك وديوان الضرائب، وقال لـ (الانتباهة) انه عند صدور قرار المالية بالغاء العمل بالدولار الجمركي قامت هيئة الجمارك باستخراج قائمة سلع كثيرة بإعفاء كامل من الجمارك والرسوم الإضافية مثل رسم الوارد بما فيها القيمة المضافة، الامر الذي ادى الى اعتراض ديوان الضرائب بحجة ان هذا الأمر من اختصاص الجمارك وبالتالي تأثر التحصيل الضريبي بناءً على هذا القرار، وقاموا بمخاطبة وزارة المالية لالغاء قرار الجمارك وتحصيل القيمة المضافة لتفادي تأثر إيراد البلاد، فاحدث ركبة، وعندما عادت الجمارك لتحصل القيمة المضافة نيابة عن الضرائب اعتقد المستوردون ان الوزارة الغت قرار الإعفاء.
تخريب الاقتصاد
ويرى الخبير الاقتصادي كمال كرار ان قرار الغاء استثناء اعفاء مدخلات الانتاج وجميع سلع الوارد من الضرائب والرسوم الجمركية قرار خاطئ، لجهة انه يساهم في زيادة الاسعار والتضخم الاقتصادي، ولن يساعد الانتاج المحلي سواء كان صناعياً او زراعياً في المنافسة لجهة ارتفاع تكاليفه، ووصف القرار بصب الزيت على النار، وافاد (الانتباهة) بأنه حال قصد من القرار جلب اموال لوزارة المالية فسيكون المقابل خسارة فادحة لا تقدر بثمن على الاقتصاد، واضاف أن الاقتصاد السوداني يواصل في نفس سياسات النظام البائد، وهي الضغط على المواطن لجهة ان هذا القرار يؤدي الى الضغط على المنتج والمواطن في كل الاحوال، وقطع بأن هذا القرار يوضح الفوضى في ما يتعلق بالقرارات الاقتصادية خاصة مع عدم وجود مجلس تشريعي لمراقبة هذا النوع من القرارات بالموافقة عليه او عدمه، وجزم بأن وزارة المالية المعنية بالشأن الاقتصادي اصبحت سبباً اساسياً في تخريب الاقتصاد الوطني.
قرار متوقع
من جانبه اوضح رئيس قسم الدراسات الاقتصادية الفاتح عثمان ان القرار كان متوقعاً، لجهة ان الغاء ضريبة القيمة المضافة عن مدخلات الإنتاج يهزم فكرة ضريبة القيمة المضافة نفسها، لأن القيمة المضافة وفق قانونها تستطيع المصانع استردادها من المستهلك، بينما إعفاء المدخلات يخلق أزمة في ضريبة القيمة المضافة ويخلق مشكلة في الإيرادات، مشدداً على ضرورة المحافظة على إلغاء كل الرسوم بما في ذلك القيمة المضافة عن السلع الأساسية مثل السكر والأرز والفول والقمح والدقيق وغيرها.
واشار لـ (الانتباهة) الى ان إجراءات وزارة المالية وإدارة الجمارك كان فيها شيء من الارتباك وعدم وضوح رؤيتها حول الإعفاءات، ولذلك اضطرت لعمل مراجعات، وغالباً سيتم إجراء مراجعة ثانية وثالثة للقرارات في ظل ضعف التخطيط والاستعجال في إصدار القرارات.
إذن قرار الجمارك بإعادة العمل بالقيمة المضافة لمدخلات الإنتاج قرار سليم، لكن على الجمارك إعفاء السلع الأساسية من اي شكل من الضرائب والرسوم، وبذلك تساهم في تخفيف حدة القرارات على المواطن.
تحقيق الشفافية
وقال الخبير الاقتصادي عادل عبد المنعم، ان استثناء اعفاء مدخلات الانتاج وجميع سلع الوارد من الضرائب والرسوم الجمركية بدأ بعد قرار تعديل الدولار الجمركي في ٢٨ من اغسطس من ٢٨ جنيهاً الى ٤٣٠ جنيهاً، واوضح ان هذا القرار تم اصداره على عجل لتحقيق الشفافية وزيادة ايرادات الدولة، مشيراً الى ان هذا القرار تم وفق توصية من قبل صندوق النقد الدولي، وهو من الالتزامات بإعفاء الديون، وافاد (الانتباهة) بأن السودان مر بنجاح في هذا البرنامج من ضمنه رفع الدعم عن الوقود وتحرير سعر الصرف، موضحا ان الاجراء تكميلي في اطار الاصلاح الضريبي الشامل، ونبه الى ان هذا الأمر تم على عجل، مبيناً ان هناك قرارات لا تظهر سلبياتها الا بعد تنفيذها، وقال انه بعد عملية التنفيذ قد ظهر وجود فاقد كبير في الايرادات خاصة الضريبة على القيمة المضافة التي تعتبر ضريبة دائرية تقوم على خصم الضرائب السابقة من اللاحقة، مبيناً ان مرحلة الاستيراد من اولى المراحل لها، وتابع قائلاً: (حال لم يتم اخذ ضريبة مضافة في مرحلة الاستيراد فسيؤدي ذلك لحرمانه من آلية الخصم، وعند التحصيل من المستهلكين في مرحلة البيع لن يكون لديه خصم ويزيد من عبء الضريبة عبر المستهلك، ولا يجب ان يتم المساس بالقيمة المضافة عبر الواردات لأية سلعة، لجهة ان القيمة المضافة هي الضريبة الوحيدة المسموح بها في اطار اتفاقيات التجارة الحرة وانضمام السودان لمنظمة التجارة الدولية)، وشدد على ضرورة عدم المساس بالقيمة المضافة، لجهة انه في حال الغاء الضرائب والرسوم الجمركية فلا بد لدولة تقوم بتطبيق القيمة المضافة الابقاء عليها في مرحلة الواردات لجهة انها بداية للضريبة، بيد ان آلية الضريبة تقوم على الخصم بالضرائب السابقة واللاحقة، وقطع بأن الخصم يساعدهم في عدم التراكم الضريبي حتى تصل للمستهلك النهائي مخففة، وقال ان هذا الخطأ الاول في المساس بضريبة القيمة المضافة، فضلاً عن خطأ التحصيل في حساب الضريبة، لجهة انه يحفظ للدول ايراداتها من التآكل والتضخم، اضافة الى ان اسمه (تحصيل تحت حساب الضريبة)، بمعنى ان المورد او صاحب المصنع عندما تفرض عليه الضريبة النهائية يساهم في خصم ما تم دفعه في المراحل السابقة، وابان ان التجار واصحاب المصانع اعتادوا على عدم وجود الضرائب لجهة انها تعطيهم مجالاً اكبر لتحقيق الارباح، مبيناً ان هذا اصلاح ضريبي شامل لا ينظر لفرد واحد، ومن قاموا بإصدار هذا القرار ليست لديهم اية مصلحة في ضرر التجار او غيرهم، مبيناً ان هذا الاجراء يصلح الاقتصاد ويساهم في تحقيق الايرادات للدولة بدلاً من اللجوء الى طباعة النقود والتمويل بالعجز، لجهة انه يساهم في التضخم الذي وصل الى ٤٠٠٪. واوضح ان التضخم يعتبر الاساس في اسباب الغلاء للمواطنين والتدهور الاقتصادي، لافتاً الى ان الضريبة ليست السبب في ارتفاع الاسعار، واشار الى ان التجار هم المستفيدون من التضخم لتحقيقهم ارباحاً تضخمية عالية، بينما معظم فئات الشعب تحت خط الفقر. واوضح ان معظم مرتبات العمال ثابتة وهم المتضررون الحقيقيون، وابان ان التضخم يمثل الضريبة غير المباشرة، ولفت الى انه حال اتخذت وزارة المالية قرار الغاء استثناء اعفاء مدخلات الانتاج فيصبح هذا القرار تصحيحاً للمسار، ونبه الى ان ٦٠٪ من فاتورة الواردات معفاة من اية رسوم سواء جمارك او رسوم قيمة مضافة، لجهة ان ١١ مليار دولار من الواردات هناك ٦ مليارات دولار معفاة من الرسوم الجمركية مثل الدقيق والسكر والمستلزمات الزراعية وغيرها، وقطع بان الـ ٤٠٪ المتبقية سلع كمالية ولا يفترض ان زيادة اسعارها تزعج المواطن، لجهة ان المخزون الموجود منها يمكن ان يكفي البلاد لفترة ثلاثة اعوام قادمة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى