الفترات الانتقالية في السودان.. تباينات وتلاق..!

إعداد:  أحمد طه صديق

ثلاث فترات انتقالية مرت على السودان بعد استقلاله جاءت  بعد حكومات انقلابية تفاوتت في فترتها الزمنية كما تباينت في حصادها السياسي بحسب المراقبين ، لكن لعل العامل المشترك هو ان جميعها تخللتها عدة أزمات سياسية وأمنية ، كما أن بعضها كانت مدنية مثل حكومة سر الختم الخليفة والأخرى خليط بين المدنيين والعسكريين في كل من حكومة سوار الذهب والحكومة الحالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2019.

لكن بالطبع هناك ثمة تلاق وتقاطعات بين تلك الحقب الانتقالية نحاول عبر هذه المساحة أن نعرض هذه المحاور باختصار .

الفترة الأولى

استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة في البلاد عقب انقلاب عسكري في الثامن من نوفمبر عام 1958 أطاح بالحكومة المدنية آنذاك  ، واتفقت المصادر ان الانقلاب تم بتحريض من رئيس الوزراء عبد الله خليل ، الذي قيل إنه أقدم على هذه الخطوة خوفاً مما اعتبره خطراً يهدد استقلال البلاد في حال حدوث انقلاب وشيك مدعوم من الجارة مصر في ظل التيار الاتحادي الذي كان يدعو للوحدة مع مصر قبل وبعد الاستقلال في حين أن عبد الله خليل المنتمي لحزب الأمة كان من المنافحين عن الاستقلال والداعين لتقليل النفوذ المصري في السياسة السودانية وسيادة الحكم الوطني مع الاحتفاظ بعلاقات خاصة مع تلك الجارة ، وقالت مصادر إن عبدالله خليل أخطر عبود بأن يسلم السلطة مجدداً للمدنيين ، بيد أن عبود لم يلتزم بعهده واستمر في الحكم لمدة ست سنوات حتى أطيح بحكمه عبر ثورة أكتوبر الجماهيرية الشهيرة في الحادي والعشرين من أكتوبر عام   1964 والتي سقط فيها عدد من الشهداء كان أولهم الطالب أحمد القرشي ، وقام الفريق عبود بحل الحكومة وبقي في السلطة إلى أن تم تكوين مجلس سيادة من خمسة أشخاص و حكومة انتقالية في الثلاثين من اكتوبر 1964 برئاسة سر الختم الخليفة ، شملت كلاً من حزب الأمة والحزب الوطني والاتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء لتمثيل النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين للجنوب، وكان من بين السبعة وزراء، السكرتير العام للاتحاد العام لنقابات عمال السودان ورئيس اتحاد المزارعين .

واعترض حزب الأمة والوطني الاتحادي على هيمنة جبهة الهيئات على التشكيل الوزراي ونفوذ الحزب الشيوعي عليها وأعلنوا عزهم على تغيير الحكومة والتي لم تبدأ بعد في تنفيذ أهدافها العشرة التي جاء في أهمها إطلاق الحريات العامة كحريات الصحافة والتعبير والأحزاب السياسية وإلغاء جميع القوانين المقيدة للحريات و تأمين استقلال القضاء وازدادت حدة التوتر بين الأحزاب المحسوبة على الطوائف وجبهة الميثاق ضد الحكومة والتي تنتهي دورتها المحددة في 31 مارس 1965 .

ثورة الأنصار

وصعّد حزب الأمة معارضته للحكومة وفي الرابع من فبراير حشد الحزب عدداً كبيراً من أنصاره جاءوا من أقاليم السودان المختلفة مطالبين بحل ما يسمونه بحكومة الشيوعيين وتكوين حكومة وطنية تعبر عن مصالح البلاد، بينما هدد أحمد المهدي باستخدام القوة في حال تعذر الحل السياسي ، ثم اصطف عبد الرحمن نقد الله سكرتير الحزب إلى خطاب التصعيد وهدد بجلب المزيد من الأنصار.

استقالة سر الختم الخليفة

وتكللت تلك الاحتجاجات بدفع رئيس الوزراء الانتقالي سر الختم الخليفة للاستقالة  في الثامن عشر من فبراير 1966 وحدث فراغ دستوري في غياب الحكومة حيث لم تتكون إلا بعد ستة أيام (23 فبراير من نفس العام  ليعود مرة أخرى سر الختم الخليفة رئيساً للوزراء ، وخلت الحكومة هذه المرة من الحزب الشيوعي وجبهة الهيئات وممثلي العمال والمزارعين و تركت أربع وزارات شاغرة ثلاث منها لحزب الشعب وواحدة للحزب الشيوعي ، ولم يلبث أن عاد الشيوعيون إلى الوزارة تحت لافتة التجمع الاشتراكي الديمقراطي والذي شمل حزب الشعب وجبهة الهيئات بجانب المزارعين والعمال ، وكان الشيوعيون يرفضون قيام الانتخابات في توقيتها فحين ترى بقية الاحزاب الأخرى ضرورة قيامها ، غير أن رئيس الوزاء سرالختم الخلفية يرى ان الوقت غير مناسب لقيامها بحجة الأوضاع الأمنية في جنوب البلاد وعدد النازحين منهم ،  وهو ما اثار غضب كل من حزب الأمة والوطني الاتحادي  وجبهة الميثاق الإسلامي ثم انضم إليها الحزب الاشتراكي الإسلامي والأخوان المسلمون وأعلنوا تصميمهم على قيام الانتخابات في موعدها ، بينما فشل رئيس الوزراء سر الختم الخليفة في إقناع الأحزاب الداعية لقيام الانتخابات بضرورة تأجيلها نسبة لضعف السجل الانتخابي بجنوب السودان بسسب الأوضاع هناك ، وعليه أصدر مجلس السيادة قراراً بتاريخ 7 أبريل بقيام الانتخابات في موعدها في 21 أبريل 1965 لقيام جمعية تأسيسية. وبالفعل تم إجراؤها  وقاطعها حزب الشعب الديمقراطي وشارك فيها الحزب الشيوعي رغم معارضته لها .

حصاد الفترة الانتقالية 1964

قامت الحكومة الانتقالية بإلغاء بعض القوانين وإلغاء المواد المقيدة للحريات ومنها قانون للعزل السياسي وآخر للثراء الحرام وكان حصاد الانتخابات هو حصول حزب الأمة على 92 دائرة ولم يحصل على أي دائرة من دوائر الخريجين. بينما حصل الحزب الشيوعي على ثمان دوائر من دوائر الخريجين بالإضافة إلى ثلاث دوائر مستقلين من أنصار الحزب الشيوعي. وحصلت جبهة الميثاق الإسلامي على مقعدين وكذلك الحزب الوطني الاتحادي .

ولم تدم  الحكومة الائتلافية طويلاً و التي جاءت بعد انتخابات أبريل 1965 م حيث استمرت من يونيو 1965 حتى 25 يوليو 1966م، وذلك عندما سحبت الثقة من حكومة محمد أحمد محجوب لفتح الأبواب  للصادق المهدي لرئاسة الوزراء  وكان حينها ابان الانتخابات دون السن القانونية لعضوية البرلمان. وحين أتمها أخليت له دائرة من دوائر الأنصار حتى يتمكن من دخول البرلمان. وشكلت الحكومة برئاسة الصادق المهدي من الجناح المؤيد له في حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي. واستمر الصادق المهدي رئيساً للوزراء حتى (يوليو1966 إلى  مايو1967). بينما عاد المحجوب للوزارة مرة ثانية ، وتمت المناداة بتكوين حكومة قومية  شارك فيها حزب الشعب الديمقراطي  الأمر الذي ينفي قوميتها ، حتى قامت الانتخابات البرلمانية في أبريل 1968 ،حيث أسفرت عن حكومة ائتلافية بين الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة جناح الأمام الهادي). استمرت هذه الحكومة حتى أطاح بها انقلاب النميري في 1969 .

حكومة أبريل 1985 الانتقالية

في الخامس والعشرين مايو 1969 استولى اللواء نميري على السلطة في البلاد مطيحاً بالنظام الديمقراطي الحزبي المكون من تحالف ضم كلاً من الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة جناح الأمام الهادي.

بيد أن  نظام مايو الذي اعتمد على القبضة الأمنية القوية وعلى تنظيم سياسي فوقي وحيد هو الاتحاد الاشتراكي، لم يفلح في المضي بالبلاد نحو إحداث تحول سياسي اقتصادي حيث كان الرئيس نميري هو الذي يعين الوزراء والمسؤولين ويقوم بعزلهم دون شورى ، مما قاد البلاد لأزمات متعددة على الصعيد الاقتصادي والأمني ، الأمر الذي أحدث تململاً كبيراً لدى الجماهير تبلور ، في اشعال شرارة الثورة الأولى في السادس والعشرين من مارس 1985 ودخلت البلاد في عصيان شامل تعطلت فيه المؤسسات العامة وبعض الخاصة وغابت خدمات الكهرباء ، وعندما وصلت الأزمة ذروتها تم تكوين جسم نقابي وحزبي موحد  في مساء الجمعة (5) أبريل وتم التوقيع على ميثاق تجمع القوى الوطنية لانقاذ الوطن في منزل المحامي محمد سعيد عبداللطيف. ووقع على ميثاق الانتفاضة 3 أحزاب هي الامة والاتحادي والشيوعي و6 نقابات هي الاطباء والمحامين والصيارفة والمهندسين واساتذة جامعة الخرطوم وموظفو المصارف وموظفو التأمينات الاجتماعية ، وابان الاحتجاجات العارمة حاول التنظيم السياسي الحاكم في الثاني من ابريل تسيير موكب مؤيد للنظام أطلقوا عليه موكب الردع بيد ان عدد المشاركين فيه كان ضعيفاً جداً رغم محاولات الحشد .

وتوجت ثورة الجماهير في السادس من ابريل 1985 بانحياز القوات المسلحة لثورة الجماهير فاستولت على السلطة بقيادة قائد الجيش الفريق محمد حسن سوار الذهب  لتعلن نهاية نظام الرئيس نميري بعد حكم قابض استمر ستة عشر عاماً ، في التاسع من ابريل تم تكوين المجلس العسكري الانتقالي بعضوية ثلاثة عشر ضابطاً كما تم  إعلان حكومة مدنية انتقالية برئاسة د. الجزولي دفع الله في الثاني والعشرين من أبريل الذي كان متزعماً إضراب الاطباء وناشطاً في معارضة النظام ابان حراك الانتفاضة ، أي أن التعيين تم في أقل من أسبوعين حيث لم تكن هناك صراعات أو شد وجذب في الاتفاق على تكوين الحكومة المدينة الذي قاده  تجمع الانتفاضة، وتم الاتفاق أن يتولى المجلس العسكري التشريع على أن تتم إجازة أي قانون يصدر منه عبر جلسة مشتركة بينه وبين مجلس الوزراء المدني، بالرغم من أن ميثاق الانتفاضة الذي اتفق عليه تجمع النقابات والأحزاب قبل سقوط النظام  كان يطالب بنسبة 40% من الهيئة التشريعية ،غير انه لم يتم قيام مجلس تشريعي وكان عوضاً عنه المجلس العسكري مع التوافق مع مجلس الوزراء على القوانين .

تلاق وتقاطعات

يبدو من خلال هذا العرض المختصر للفترات الانتقالية ما بعد الاستقلال نلاحظ ان الفترة الانتقالية  التي أعقبت عهد الحكم العسكري برئاسة الفريق إبراهيم عبود عقب انتفاضة ثورة اكتوبر الشعبية ، إنه غلب عليها الصراع الحزبي الصاخب الأمر الذي دعا رئيس الوزراء الانتقالي للاستقالة بعد الضغوط الكبيرة التي مارسها حزب الأمة باستقطاب جماهيره ضدها باعتبار ان الحكومة يهيمن عليها الشيوعيون ، حتى ان رئيس الوزراء كما ذكرنا سر الختم الخلفية استقال من منصبه ثم عاد مرة عبر حكومة جديدة ،  ولعل الملاحظ هنا في هذه الفترة  الانتقالية  الحالية وتلك الفترة السابقة هو ان حزب الأمة الذي قاد المعارضة القوية في الفترة الانتقالية آنذاك ضد الشيوعيين ، تحالف معهم هذه المرة عبر تحالف عريض ضم أحزاباً وتيارات سياسية وحركات مسلحة  باسم قوى الحرية والتغيير قبل أن ينسلخ لاحقاً وقبلها قوى نداء السودان،  كما يلاحظ ان الفترة الحالية لم تشهد فيها التكوين الوزاري الأول معارضة حزبية من الأحزاب الكبرى، كذلك من أوجه التباين بين الفترة الانتقالية بعد ثورة اكتوبر وثورة  ديسمبر 2019  هو ان تكوين حكومة اكتوبر غلب عليه الطابع الحزبي بينما ثورة ديسمبر غلب عليها معايير الكفاءة والخبرات، وإذا كانت فترة أكتوبر الانتقالية شهدت حشداً جماهيرياً من حزب الأمة لفرض وجهة نظره فإن الفترة الحالية قبل تكوين الحكومة المدنية شهدت حشوداً من تيارات مختلفة سياسية وأهلية لإبراز وجهة نظرها في نظام الحكم القادم وكلها لم تكن على وفاق ايدولوجي مع الحرية والتغيير التحالف الذي قاد الثورة الشعبية .

كذلك من وجوه الاختلاف أيضاً ان الحزب الشيوعي كان جزءاً من الحكومة الانتقالية في ثورة اكتوبر 1964 التي تم حلها ثم كانت له واجهات في الحكومة التي تلتها في حين انه تحفظ في الفترة الانتقالية الحالية  على مخرجات الوثيقة الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية التي جاءت بها قوى الحرية والتغيير ورفض على إثرها أي مشاركة في مستويات الحكم المختلفة عدا الحكم الاتحادي .

أيضاً من أوجه الاختلاف بين الفترتين ان ميثاق الانتفاضة في اكتوبر شمل بند العزل السياسي بينما لم يتم تضمينه في وثيقة الحرية والتغيير في ثورة ديسمبر الحالية لكنه تم تضمينه في إطار قانون لجنة إزالة التمكين.

أما الفترة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة ابريل 1985 التي أطاحت بالحكم المايوي برئاسة جعفر نميري فمن الملاحظ ان تكوين الحكومة المدنية تم التواقف حوله في ثلاثة عشر يوماً فقط رغم ان التجمع النقابي حاضن الانتفاضة لم يتم تكوينه إلا قبل يوم واحد من انحياز الجيش للثورة والاستيلاء على السلطة في السادس من ابريل، في حين انها استمرت حوالى تسعة أشهر بعد انتفاضة ديسمير الحالية، كذلك من الملاحظ ان صلاحية المجلس العسكري والمدني تم الاتقاق عليها سريعاً من جانب قوى الانتفاضة في ابريل 1985 رغم مخالفتها لأحد بنود ميثاق الانتفاضة فيما يختص بالتشريع .

أيضاً من أوجه الاختلاف بين الفترتين ديسمبر وابريل هو انه في الفترة الانتقالية بعد انتفاضة ابريل طالبت قوى الانتفاضة والحكومة الانتقالية القاهرة بتسليم الرئيس المخلوع نميري لكنها لم تستجب ، بيد ان الحكومة لم تعقد له محاكمة غيابية حتى إجراء الانتخابات في 1986 بينما عقدت حكومة ديسمبر محكمة لمدبري انقلاب 30 يونيو التابع للجبهة الإسلامية لكنها لم تطلب رسمياً حتى الآن من أي دولة تسليمها لعناصر النظام البائد .

كذلك من أوجه الاختلاف بين انتقالية ابريل 1985 وديسمبر الحالية ان حكومة المجلس العسكري قبل تكوين الحكومة المدنية قام بحل جهاز أمن النظام المايوي الذي كان يترأسه نائب الرئيس نميري اللواء عمر محمد الطيب في حين أن المكون العسكري الذي يترأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان وتتبع له الأجهزة الأمنية لم يقم بحل جهاز النظام السابق ولكنه أبعد بعض قيادته العليا لكنه احتفظ بجزء كبير من هيكلته السابقة.

لكن ربما كان الفارق الكبير بين ثورة ديسمبر 2019 وثورتي ابريل 1985 واكتوبر 1964 هو اعتصام المتظاهرين في ثورة ديسمبر 2019 وجلهم من الشباب بالقرب  من ساحة القيادة العامة مما عجل بإسقاط النظام بينما الفريق إبراهيم عبود رئيس الدولة لحكومة نوفمبر 1958 العسكرية ثم اضطر للاستقالة بعد ثورة أكتوبر 1964 ولم تتم محاكمته .

الدروس المستفادة

لعل أهم الدروس الإيجابية المستفادة هي التي قدمتها حكومة الفترة الانتقالية بعد إنتفاضة إبريل 1985، انها تميزت بالانسجام بين المكون المدني والعسكري ولم يكن هناك شد وجذب في إجازة القوانين ولا ملاسنات بين الطرفين  ولم تشهد أي تفلتات أمنية ، وتفهم المجلس العسكري أهداف الثورة الشعبية واحترم إرادة الجماهير التي صنعتها ولم يبد تعاطفاً مع فلول النظام السابق أو محاكمتهم وجرت في كنفه انتخابات حرة ونزيهة حسبت له في التاريخ السياسي للسودان .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى