بلغ مرحلة متأخرة من التردي والانهيار.. مستشفى شندي التعليمي.. (إكرام الميت في دفنه)!!

مياه الصرف الصحي تغمر مساحات واسعة وتعيق الحركة.. حمامات غير صالحة للاستعمال وقضاء الحاجة على مقربة من العنابر

شندي: محمد أحمد الكباشي

* نهاية العام الماضي اجريت تحقيقاً واسعاً عن مستشفى شندي التعليمي عبر هذه الصحيفة، وعكسنا خلاله الوضع المتردي والمنهار، وكنا نهدف الى لفت انتباه الجهات المعنية حتى تقوم بدورها تجاه هذا المرفق الحيوي، واجراء اصلاحات وان كانت اسعافية من عمليات نظافة تشمل قطع الاشجار وازالة كافة التشوهات واعادة تأهيل صيانة الحمامات واضفاء لسمات جمالية باستبدال اشجار العشر والمسكيت واللويس باشجار اخرى وازاهير علها تسر الزائرين. وبالتأكيد مثل هذا العمل لا يحتاج الى ميزانية ولا خطة اسعافية.
لكن يبدو ان حكومة الولاية وعلى رأسها الطبيبة آمنة المكي تعاملت مع القضية كما لو انها انصرافية لا تستحق ادنى التفاتة رغم خطورة الوضع.. وكل الذي انجزته الوالي او اعتبرته انجازاً لها هو ابعاد الامين العام للمستشفى تاتاي سرور وانهاء خدماته بالمستشفى، فقط لانه صدع بكلمة الحق، ليزداد الامر سوءاً على سوء، ولم اكن هذه المرة في حاجة الى مصدر ليتحدث لنا عن الاوضاع، فالصورة وحدها تكفي وننقلها كما هي.
شندي: محمد أحمد الكباشي
غابة من الأشجار
يتوهم الزائر لهذا المرفق لاول مرة حول ان كان هو مستشفى ام غابة متشابكة ام ورشة حدادة؟ وكل هذه الاوصاف تنبطق تماماً، فالصورة لا تكذب ولا تتجمل، ولو كانت الرائحة تنقل عبر الكلمة لما احتمل القارئ اكمال هذا التحقيق. وتبدأ المشاهد المؤلمة مع دخول المستشفى، اذ هناك لافتة كئيبة لا تحمل من كلماتها غير عنوان بائس تبدأ تفاصيله من بداية الدخول الى داخل العنابر وكل الاقسام والمرفقات، فكانت الحصيلة عبر هذا التحقيق:
خرابة منسية
أصبح مستشفى شندي التعليمي عبارة مبانٍ قديمة، وعجزت الجهات المختصة عن اعادة تأهليه على نحو يجعله يقدم الخدمات المطلوبة لمرتاديه من كافة مناطق محليتي شندي والمتمة، فلم يعد هذا المرفق يأخذ وصفه الطبيعي عندما صار اشبه بالخرابة المنسية، فقد تسلق نبات اللويس والتف حول اشجار المسكيت والعشر والسدر وتطاول حتى وصل الى اسقف العنابر، بينما لم تترك هذه الاشجار وغيرها من النباتات مساحة على الناحية الجنوبية من عنابر الجراحة، ولا يستبعد وجود ثعابين وفئران وغيرها من الحشرات، فقد صارت موقعاً لقضاء الحاجة في العراء، ولك ان تتخيل عزيزي القارئ انه وسط هذه الاجواء يقوم عامل نظافة بغسل مستلزمات العنابر من فرش وملاءات وملابس وغيرها، واستغلال هذه الأشجار ليعلق عليها ما قام بغسله حتى يجف، وبالتالي فإن الموقع المشار اليه لا يصلح لأن يكون مرعى اغنام لما به من فضلات آدمية وغيرها من القاذورات.
ناقوس الخطر
لنترك هذا الموقع ونتجه غرباً قبالة عنبر القاينة، حيث تتكدس عشرات الرجال والنساء جلوساً على الارض التي ضاقت عليهم بما رحبت من مقاعد حديدية تحت مظلة لا تتعدى عشرة مقاعد في مقابل هذا الكم الهائل في انتظار ما تسفر عنه عملية ولادة، وحين تأتي اليهم القابلة لتبشرهم بالمولود ينفض السامر قبل ان يعود ذات المشهد ولكن بوجوه اخرى لعملية جديدة، وبالتأكيد لن نستطيع الدخول في عنابر الولادة لخصوصيتها، وبالكاد تبدو اسوأ بكثير من بقية الاقسام من حيث النظافة والاهتمام.
هروب من العنبر
(يا استاذ لو داير تدخل عنبر الباطنية من الافضل ان تستخدم كمامة)، هكذا نصحني الشاب النذير الشيخ من منطقة التراجمة عندما وجدته يجلس في ظل شجرة وعلى يده فراشة، وواضح انه يتلقى علاجاً لكنه اشار الى انعدام كثير من الادوية، مما اضطره لارسال روشتة الي ذويه ببورتسودان لارسال دواء (هايروكروتوزون)، وعندما سألته عن الوضع داخل العنبر اشار الى ان الوضع اسوأ مما أتصور وليس بامكاني ان أتحمل الرائحة الكريهة المنبعثة من داخل العنبر، وحتى الحمام الوحيد صار مكباً للنفايات، اما التهوية فلا يوجد اي تكييف مع وجود مروحة واحدة تعمل ببطء لمساحة عنبر به اكثر من (15) سريراً، ولهذا ــ كما يقول النذير ــ لم أتمكن من الدخول في العنبر وفضلت البقاء في الهواء الطلق في انتظار مرور الطبيب.
ولم أعمل بنصيحة النذير بارتداء كمامة، فدلفت الى عنبر الباطنية مباشرةً، فوجدت أسوأ مما اشار اليه النذير، وعندها اشفقت على حال المرضى ممن لا يستطيعون الخروج الى الاشجار كما فعل المريض النذير.
نفايات طبية
وأسوأ ما في مستشفى شندي التعليمي تراكم جبال من الاوساخ بما في ذلك النفايات الطبية على خطورتها، فهنا تتناثر قطع من الشاش والقطن ملطخة بالدماء، واخطر من ذلك هناك حقن ملقاة منزوعة الاغطية، وانبعاث الروائح الكريهة التى تزكم الانوف من خلال المخلفات والنفايات وسلوكيات البعض سواء من المرافقين او المرضى انفسهم وتردي الخدمات الصحية، وتقول المواطنة فاطمة عبد الله لـ (الإنتباهة) ان هناك اشياء سيئة قد يصعب وصفها، مشيرة الى عدم استجابة المسؤولين للشكاوى المتكررة من قبل المرضى والمواطنين.
مطالبة بالإغلاق
عدد من المرافقين والمرضى التقتهم (الإنتباهة) اجمعوا على ان المستشفى يعاني من تدهور مريع في بيئته وخدماته، ويعاني حالة واضحة من الإهمال من قبل السلطات المختصة على مستوى الولاية والمركز. وأبدى حسين علي محمد مرافق لابن اخيه استياءه وغضبه من واقع المستشفى، وقال انه لم يكن يتوقع ان يكون المستشفى بهذا المستوى من التردي، واضاف انه لا يوجد اي حمام صالح للاستخدام بينما يسبح المستشفى في مياه الصرف الصحي، إضافة إلى انتشار الذباب والباعوض في بعض أقسام المستشفى، وقال ان هذا الوضع لا يليق بمركز صحي ناهيك ان يكون مستشفىً تعليمياً، وحمل الادارة تبعات هذا الانهيار، مطالباً باغلاقه باسرع ما يمكن، باعتباره يشكل خطراً على المرضى ومرافقيهم.
مرافق أم طبيب؟
وعند الذهاب إلى عنابر الباطنية قالت إحدى المريضات إن كوادر التمريض لا يأتون إليهم أحياناً إلا إذا طرقوا بابهم، وحتى عند اعطاء المحاليل يذهبون إليهم للقيام بتعليقها للمرضى دون متابعتها حال انتهائها، مما يضطر المرافق الى نزع الوصلة من المريض، وفي هذا خطورة ربما يتعرض لها المرافق نفسه.
عنبر الأطفال
وفي الناحية الشرقية تقبع عنابر الاطفال التي لم تكن افضل من سابقاتها ان لم تكن الاسوأ من حيث تكدس المرضى. وفي عنبر الأطفال وجدنا المرضى والمرافقين يواجهون العديد من المصاعب والمتاعب داخل المستشفى، بل ان بعض الامهات لم تجد بداً من اخراج السرير خارج العنبر بعد ان ضاقت ذرعاً بالرائحة الكريهة وحالة الازدحام التي يعاني منها العنبر، فيما اكد عدد من المرافقين أن الإهمال طال حتى الأقسام الحيوية بالمستشفى وخصوصاً قسم الأطفال، وهذا الأمر جعل أولياء أمور المرضى الأطفال يهربون بهم إلى ظلال الأشجار، وحتى هذه الاشجار لم تكن بديلاً مناسباً لأن مياه الصرف الصحي تغطي مساحات كبيرة حولها، وبعضهم آثر المغادرة قبل استكمال العلاج اللازم بسبب تكدس العنابر وحرارة الجو الخانق، وأشار عدد كبير من مرافقي المرضى بقسم الأطفال إلى أن عنبر الأطفال يعاني من قلة الأطباء والممرضين، وأضافوا أن مناوبات الأطباء لا تتوفر على مدار الساعة، وكشفوا عن رداءة دورات المياه وعدم توفر النظافة داخلها، مشيرين إلى تراكم الأوساخ بشكل مستمر
من المحرر:
* مرة أخرى نعكس هذا الواقع البائس حول مرفق يسمى مستشفى، ولكنه في واقع الحال (مسبب أو ناقل للأمراض)، والأمل في تغيير الواقع، وإلا فعلى وزارة الصحة الاتحادية ان تغلق أبواب المستشفى، فالمريض لا ينقصه الأذى بأشكاله الماثلة بالمستشفى، ويصبح أمام خيارين لا ثالث لهما، إما بعث الروح في المستشفى من جديد وإنهاء كافة التشوهات التي عكسناها داخل هذا التحقيق، أو إحضار جرافات كي تقتلعه من جذوره، كونه بهذه الكيفية يزيد إمراض من يقصده مستشفياً. ونأمل أن تقوم حكومة الولاية هذه المرة بإصلاح الحال المائل وليس الإطاحة بالمدير الجديد، وإن كانوا فاشلين فليذهبوا جميعاً.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى