على هامش عيد القوات المسلحة.. الذكرى (37) على عملية الصقر الجارح (1-2)

عرض: أحمد طه صديق

في مساء الثالث والعشرين من يونيو 1983  إحتلت مجموعة من المتمردين بجنوب السودان هضبة جبل بوما التي يبلغ إرتفاعها ستة آلاف قدم بمنطقة جنقولي وأسروا أمريكياً يدعي هاسبل وأسرته وثلاثة آخرين من كندا وهولندا وألمانيا كما سيطروا على قوات الصيد والشرطة الموجودة بأعداد قليلة في المنطقة وجردوهم من أسلحتهم ، ثم أعلنوا بعد ذلك عدة مطالب نظير فك الرهائن .

اللواء الصديق أحمد حسين البنا قائد فرقة القيادة الجنوبية كان قائداً ومخططاً مع عدد من ضباط القوات المسلحة هناك لعملية فك الرهائن تلك الملحمة الخالدة التي لم تلق ما تستحقه من إهتمام عالمي بالنظر إلى عمليات مشابهة قامت بها عدد من الدول أقل منها درجة من حيث الخطورة ونجاعة التنفيذ إحتفت بها وروجت لها بآلياتها الإعلامية القوية .

اللواء صديق أرخ لهذا الملحمة التي كان هو بطلها الرئيسي بجانب زملائه من ضباط وجنود القوات المسلحة عبر كتاب أسماه باسم العملية التي أطلق عليها (الصقر الجارح) حيث تناولها بدقة متناهية كل تفاصيلها ساعة بساعة من لحظة التخطيط وإنتهاءً  بنجاح العملية بأسلوب سلس.

وعبر هذه المساحة نقدم عرضاً مختصراً للكاتب الراحل رحمه الله متجاوزين العديد من التفاصيل الصغيرة دون تدخل مباشر إلا لضرورات محدودة .

بداية الحدث

يقول الكاتب ( في صبحية   25/6/ 1983    كانت الفرقة الأولى مشاة هادئة حتى الساعات الأولى من الصباح وفي ذلك اليوم وحوالي الساعة الرابعة إلا عشر دقائق صباحاً بدأت ترد إلى مكتب الإشارة بعض الرسائل ، كانت جميعها تحمل درجة عالية من الأهمية للتنفيذ (برق) وكما هو معلوم عندما تصل رسالة بهذه الصورة على الضابط المناوب ( النوبتجي) يتعامل معها بالسرعة المطلوبة ويتم إخطار الجهات المسؤولة بأقصى سرعة ممكنة ودون أدنى تأخير مهما كان الوقت متأخراً ، ولقد كانت كل الرسائل التي تم إرسالها من منطقة كبويتا حيث الكتيبة (117 ) التابعة للواء الحادي عشر مشاة ، وكانت الرسائل تصل متتابعة كل ربع ساعة إلى نصف ساعة وجميعها تدور حول نفس الموضوع وتتجدد حوله المعلومات في كل مرة .

وصلت إلى مكتب الضابط المناوب بجوبا رئاسة الفرقة أول رسالة وبعد أن إطلع عليها وجد أنها تحمل درجة عالية من الأهمية مما يحتم عليه إبلاغها على الفور ، وبينما كان الضابط يحاول الإتصال بمنزل العقيد الركن عزالدين هريدي رئيس شعبة العمليات كي يتم إخطاره وصلت الرسالة الثانية التي تحمل معلومات أكثر وضوحاً حيث أكدت إحتلال الخوارج لجيل بوما وتجريد قوات الشرطة وحرس الصيد من سلاحهم ثم القبض على بعض الأجانب على رأسهم القس جون هاسبل وأسرته كرهائن ، وبعد إبلاغ العقيد هريدي بمحتوى الرسالتين أمر الضابط المناوب بأن يتابع وصول الرسائل ويسجلها في دفتر الحوادث إلى حين حضورة خلال نصف ساعة .

وقبل وصول العقيد هريدي  إلى مبنى الفرقة برفقة المقدمين عصام الدين ميرغني والسر أحمد سعيد كانت الرسالة الرابعة قد وصلت وإتضحت من خلالها الصورة ، حيث أكدت المعلومات السابقة وأشارت إلى أن أحد ضباط الصيد المتمردين بجبل بوما تمكن من الهرب بعد إحتلال الجبل مباشرة متخذاً الظلام ساتراً حيث وصل إلى كبويتا سيراً على الأقدام وأشارت إلى أن ضابط الاستخبارات بالكتيبة (117)  يقوم بالتحقيق معه للحصول على معلومات إضافية وسيتم  إرسالها على جناح السرعة لرئاسة القيادة

وفي الساعة السابعة صباحاً وصل قائد الفرقة حيث أخذ مكانه في طاولة الإجتماعات بغرفة العمليات حيث بدأ قائد ثاني الفرقة بالتنوير عن أحداث إحتلال جبل بوما ثم تبعه رئيس شعبة العمليات الذي سرد ملخص الرسائل الأربع ثم أعقبه  ركن أول الاستخبارات الذي تحدث عن تقييم الموقف والمعلومات المتاحة ، وفي تلك اللحظات وصلت الرسالة الخامسة التي أشارت إلى إعتقال طيار أمريكي ضمن الرهائن بجبل بوما ويعمل مع منظمة في كينيا ، ثم تحدث القائد مؤمناً على ما قيل من تحليل ثم طرح عدة تساؤلات حول مدى إحتمال العملية بقوى خارجية ، ثم أمر بعدة تعليمات منها تكوين مجموعة للمعلومات والاستخبارات تحت قيادة المقدم الركن السر سعيد من مختلف المصادر المتاحة المحلية والخارجية والإتصال بالمنظمات التي تتبع لها الرهائن لجمع أية معلومات عنهم ووضع الكتيبة (117 ) بكبويتا وقوات البيبور وفشلا في حالة قصوى وتكليف العقيد نايل إيدام قائد الكتيبة (117 ) بإرسال أحد أبناء المورلي باللبس الملكي إلى جبل بوما لجمع معلومات دقيقة عن الخوارج والأجانب المحتجزين وإعداد خطة خداعية للتفاوض مع الخوارج

الإذاعات العالمية والحدث.

في الإجتماع الذي عقده قائد الفرقة في اليوم التالي تم الاستماع إلى ما تم تسجيله من إذاعات لندن وصوت أمريكا ومونت كارولو والتي أذاعت جميعاً الخبر بالتفصيل بصوت مراسليها من نيروبي وتساءلت بعض الإذاعات عن مدى استجابة السودان لمطالب الإرهابين.

خيار الهجوم الرأسي

في صبيجة الأحد عقد إجتماع مهم بمكتب قائد الفرقة للمتابعة حيث قدم تقريراً

 استراتيجياً عن الحدث ومدى إرتباطه بأمن البلاد وبعد قدم ركن أول العمليات تقدير موقف سريع على ضوء المعلومات المتوفرة والكوركي من ضابط الصيد الهارب الذي يوضح بوضوح معسكرات الصيد وقوات الشرطة وسكن القس جون هاسبيل والاستراحة كما ناقش الإجتماع منطقة العمليات المرتقبة وطبيعة الأرض ووضع العدو والإحتمالات المتوقعة منه وردود الفعل العالمية والإقليمية والمحلية بإعتبار أن  الرهائن ينتمون إلى دول أجنبية تربطهم علاقات جيدة مع السودان ثم أصدر القائد أوامره بإختيار مجموعتين تعملان تحت إشراف رئيس شعبة العمليات مهمتها الإعداد لعملية حربية سريعة وكاسحة تستغل فيها الطائرات  العمودية لشن هجوم رأسي على

 جبل بوما مع عدم إغفال أية خيارات أخرى يمكن أن تحقق المفاجأة الكاملة والحسم المطلوب وقال قائد ( إنني أعلم أن الإقتحام الرأسي هو الخيار الأصعب ولكنني لا أشك قط في أنه سيكون الخيار الوحيد الذي يتناسب مع الهدف المنشود،

كما قرر القائد إختيار منطقة كبويتا كقاعدة متقدمة لإنطلاق القوات لتنفيذ العملية وعلى العقيد إيدام قائد المنطقة إعداد غرفة عمليات الكتيبة وتطويرها لتصبح مركز قيادة متقدم لإدارة المعركة وتخليص الرهائن وإعادة السيطرة على جبل بوما .

كما تم اسناد قيادة العملية للمقدم عصام الدين ميرغني والمقدم الركن السر أحمد سعيد بإعتبار أنهما كانا في جبل بوما قبل يومين من إحتلاله بواسطة الإرهابيين لإخلاء الطائرة التي كانت متعطلة هناك ، كما تقرر وضع سرية من الكتيبة (117 ) كبويتا في حالة استعداد للقيام بأية عملية تتم على جبل بوما .

ودفع سرية المظلات المطلوبة إلى كبويتا فور وصولها من الخرطوم وبنفس الطائرة التي تصل ، كذلك دفع فصيلة مشاة. وإشارة من اللواء الحادي عشر في توريت وكبويتا وأشارت التعليمات إلى خطة التكديس التي تشمل التشوينات من الوقود والذخيرة وتعينات الإعاشة.

 معلومات إضافية

بوصول ضابط الصيد من كبويتا إلى  رئاسة الفرقة تم تحصيل معلومات مهمة عن الرهائن والخوارج  وعن المعسكرات هناك وعن مدى صلاحية الأرض هناك كمهابط للطائرات وعن حالة الطريق من كبويتا إلى جبل بوما وصلاحيته لسير المركبات والمشاة ، كما قدم الأجانب الذين يعملون لحساب منظمة أكروس ومتواجدين بجوبا معلومات مهمة عن الرهائن وأن رئيس مجموعة الخوارج يدعى باقان أموم  ونائبه يدعى مابيور.

إطلاق رهينة واحدة

بينما كانت الرهائن في الحبس مرض الطبيب البريطاني أفلنق بالحمى ووصلت حالته لطور خطير مما جعل قائد الخوارج أن يسمح للطيار الأسير رون بونتر وأسرة القس جون هاسبل بأخذه إلى نيروبي للعلاج على أن يعود مرة أخرى إلى جبل بوما بعد تسليمه وإلا سيقومون بقتل الرهائن وعلى إثر ذلك رجع الطيار إلى بوما وتم أخذه كرهينة ، وعليه إنخفض أعداد الرهائن.

شروط الخوارج

أرسل الملحق العسكري العقيد الركن فاروق الطريفي بكينيا تقريراً عن طريق الاستخبارات العسكرية بالخرطوم أوضح فيه معلومات مهمة  عن المطار ومعسكرات الشرطة وحرس الصيد في جبل بوما وسكن الرهائن والطرق التي تربطهم ببعضهم البعض مدعومة بكروكي كما أرسل صورة من مطالب الخوارج لإطلاق الرهائن وهي:

أن يذاع لهم بيان بالإذاعة البريطانية وصوت أمريكا وأن يدفع لهم (120) ألف دولار وأن يسلم لهم (120) (بنطلون) و(129) حذاء (بوت) وحددوا يوم السادس من يوليو آخر يوم لتنفيذ مطالبهم بعدها سيقومون بإعدام الرهائن.

حشد القوات

بعد إجراءات عمليات الإعداد والتدريب من الطائرات العمودية والهبوط من الأشجار يقول الكاتب إنه تم تحديد منطقة الوثوب على مهبط نهر كارون على مسافة (50) كم من جبل بوما وبدأ التشوين إبتداءً من 6/7 واستمر حتى قبل مغيب الشمس.

إجراءات الخداع العسكري

تمت مراجعة عمليات الخداع العسكري في شكل مفاوضات بين الحكومة والخوارج والذين تم إقناعهم بتلبية طلباتهم يوم الثامن من يوليو وسيتم اسقاطها عبر طائرة مدنية  أي نفس اليوم الذي تم فيه تحديد تنفيذ العملية .

القيادة العامة ترفض الخطة

تم إختيار الهجوم الرأسي عن طريق طائرات عمودية مستبعدين الهجوم الأرضي الخاطف لصعوبة طبقراطية المنطقة وتمركز الخوارج في أعلى الجبل مما يعرض القوات المهاجمة للخطر ، وأرسل قائد الفرقة برسالة مستعجلة (برق) الخطة إلى رئيس هيئة العمليات بالإنابة اللواء الركن عاكف يسن بصورة إلى نائب القائد العام الفريق أول سوار الذهب وذلك حتى ترسل القيادة طائرات مروحية وطائرات نقل وقيامها خلال أربع وعشرين ساعة إلى جوبا وكذلك تخصيص سرية مظلية للمشاركة في العملية ، وبعد خمس ساعات فقط من إرسال الخطة إلى القيادة بالخرطوم أرسل رئيس هيئة العمليات رفضه القاطع لخطة الإقتحام الرأسي وأشار إلى أنها ستعرض الطائرات لخسائر لكنه أشار إلى إمكانية أن تشارك الطائرات في المعاونة بالنيران لإقتحام الجبل عن طريق التحرك الأرضي.

القائد يصر على خطته

ويقول مؤلف الكتاب اللواء البنا وقائد الفرقة والمشرف الأعلى للعملية إنه قال لقادة العملية إنه غير موافق على خطة القيادة العامة لأنه يرى أنها أكثر خطورة من الإقتحام الرأسي بالطائرات ويقول( إن نجاح خطتنا تتوفر له كل عوامل النجاح وإن عوامل التنفيذ محسوبة بدقة)، وقال إنه أمر قائد مجموعة الإقتحام ونائبه وكل الضباط أن يكثفوا فترة الإعداد دون الإلتفات إلى أي أمر أو تعليمات لا تصدر منه شخصياً.

القيادة العامة تجدد رفضها للخطة

في الساعة العاشرة والنصف من صباح الإثنين 4/7  وصلت مطار جوبا طائرة هيركليز وعليها قوة سرية من القوات المظلية كما وصلت القوات الخاصة لمكافحة الإرهاب للمشاركة في عملية إطلاق الرهائن يرافقهم ثلاثة خبراء أمريكان يعملون مع القوات الخاصة كمدربين ، كذلك وصل رائد من الاستخبارات العسكرية ومعه خطابان أحداهما سري للغاية وآخر شخصي لقائد الفرقة من الفريق أول سوار الذهب وكتب بخط اليد لكنه نص على رفض خطة الفرقة بالإقتحام الرأسي وأن يتم التخطيط للعملية وفق توجيهات رئيس هيئة العمليات الذي حدد في خطابه الرسمي خطة بديلة قال فيها  (أن تقترب القوات من مواقعها الإبتدائية لمنطقة الهدف بكل سرية لتحقق عامل المفاجأة متحسبة لأية عمليات كمائن أو نقاط خارجية وأن يتم تمهيد نيراني كثيف في المرحلة الأولى من العملية تشترك فيها المدفعية والطائرات ليشمل جميع الأهداف عدا المنزل الذي يحتجز فيه الرهائن وأن يتبع التمهيد النيراني إقتحام سريع على الهدف بواسطة القوات المشتركة بما فيها المجموعة الخاصة والتي عليها إقتحام المنزل وتخليص الرهائن وأن يتم تمشيط المنطقة للقضاء على الخوارج .

وعلق قائد الفرقة الأولى في كتابه إن هناك استحالة على تنفيذ خطة هيئة العمليات بالنظر إلى الواقع الظرفي على الأرض فالجبل يرتفع إلى ستة آلاف قدم والهضبة مساحتها حوالي عشرين ميلاً ممتدة إلى داخل الأراضي الأثيوبية وتكسوها أشجار وحشائش يزيد إرتفاعها عن الخمسة أمتار وتساءل قائلاً كيف يمكن استخدام المدفعية على أهداف متفرقة على هضبة الجبل وتغطيها الأشجار والحشائش الغزيرة ولا توجد مراقبة على توجيه النيران من المدفعية وأشار إلى أن الإقتحام الضاري والسريع يجب أن  يكون على هدف ظاهر وواضح وعلى مسافة قريبة من خط الإبتداء وليس على هضبة إرتفاعها ستة آلاف قدم يستغرق تسلقها أكثر من ست ساعات ، ويشير المؤلف إلى أن دائرة الرفض لخطة الفرقة بجوبا شملت بجانب رئيس هيئة العمليات ونائب القائد العام الفريق أول سوار الذهب رئيس جهاز الأمن عمر محمد الطيب الذي كان ينقل لهم رأي القيادة العامة حول خطورة خطة الإقتحام الرأسي ، ويشير المؤلف إلى أن رئيس هيئة العمليات تخلى عن خطته التي أرسلها وسمح باستخدام خطة مناسبة لكنه رفض بحسم خطة الهجوم الرأسي الذي إختارته رئاسة الفرقة الأولى بجوبا.

إصرار على التنفيذ

ويقول المؤلف إنه أمر بعدم الرد على أية رسائل ترد من القيادة العامة أو اللواء عمر محمد الطيب وتحفظ في الملف الخاص به ولا توضع في ملفات القيادة وأشار إلى أنه سيتوجه إلى كبويتا في تمام الساعة السابعة صباحاً من يوم 6/7 وإرسال طائرة مروحية لترحيله إلى هناك على أن يكون في جوبا الساعة السادسة صباح 7/7 وإنه بمجرد مغادرته يتم قفل جميع الإتصالات بين جوبا وكبويتا ويفرض صمت على اللاسلكي ويستمر إلى أن يتم الإتصال من كبويتا بنهاية العملية.

السفارة الأمريكية تهتم بالحدث

يقول المؤلف إن الولايات المتحدة كانت مهتمة بمتابعة تفاصيل الأحداث ولم تكن توافق على الحل العسكري خوفاً على حياة الرهائن والذين يوجد بينهم أحد رعاياها ، ويقول إنه في هذا الإطار أرسل عمر محمد الطيب أمريكياً يدعي جاك يتبع لوكالة المخابرات الأمريكية (cia برتبة عقيد ويعمل ضابط إتصال مستشار بجهاز أمن الدولة وبرفقة العقيد الفاتح عروة أحد ضباط جهاز الأمن المرموقين.

)نتابع الأحداث في الحلقة القادمة(.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى