(الإنتباهة) تتجول في المناطق المتأثرة.. (الباوقة).. تفاصيل من (تحت الركام)

قرى السلمانية تقف على حافة الانهيار..  أحياء تتلاشى من خريطة الباوقة.. و (...) هذه هي المناطق الأكثر تضرراً

الباوقة ــ السلمانية: محمد أحمد الكباشي

السيول التي اجتاحت عدداً من المناطق بولاية نهر النيل مطلع الاسبوع الماضي واحدثت خسائر كبيرة في الممتلكات والارواح، القت بظلالها السالبة على المشهد هناك، وجعلت سكانها في وضع أقل ما يوصف به انه مأساوي ومحزن ومتردٍ، ولم يكن تناقل الاخبار وتداول الصور بكثافة على كافة الوسائط كافياً لعكس تفاصيل المأساة وحقيقتها مثلما ان تعايش هذه الظروف وترى بعينك المجردة ما ألم بهؤلاء من مصيبة ينفطر لها القلب وتدمع العين مع تكرار (لا حول ولا قوة الا بالله)، وهنا فقط تتجسد المقولة (ليس من رأى كمن سمع).

الدمار الشامل

مئات المنازل تحولت الى ركام والوضع صار اشبه باوضاع المتأثرين بالحروب وهم يبحثون عن طوق نجاة من تحت الركام، وملامح الدهشة والحزن ترتسم على وجوه هؤلاء، ومن بينهم الاطفال والنساء والعجزة، وهم من فقد كل شيء في قصص حزينة ينفطر لها القلب، لكنها ارادة الله ان جعلت من كانوا يمارسون انشطتهم المختلفة امس في اصقاع تلك المناطق وعلى مقربة من منازلهم في محنة من امرهم، مع التفكير المتواصل حول كيفية تجاوز المأساة التي يواجهونها. وفي المقابل بدأت مياه النيل تزحف بقوة لتتبادل ذات الدور الذي لعبته السيول، فهل ستقضي على ما تبقى لهم ام تأخذها الرأفة وتعود ادراجها؟ والى ذلك الوقت نعيش مع هؤلاء معاناة بطعم الموت.

في عالم النسيان

(الإنتباهة) تجولت وسط الركام والاسقف المتناثرة هنا وهناك، بدءاً من منطقة السلمانية وما جاورها من مناطق الحجر التي وصلت اليها بشق الانفس عبر سيارة بوكس مع وعورة الطرق وتعرجاته التي لم يلتفت اليها اصحاب شركات التعدين وما اكثر حركتهم عبر هذا الطريق، بينما تتجاهل الحكومات المتعاقبة بالولاية وتنسي ان لديها مواطنين لهم من الحقوق مثلما عليهم من الواجبات. ويقول ممثل اللجان الادارية بالسلمانية عبد العظيم النقي لـ(الإنتباهة) ان المنطقة تقع بين (وادي البقر ووادي السنقير) على الشريط النيلي، الى جانب خمسة اودية ظلت تشكل خطورة مستمرة على المنطقة، وتضم مناطق (ابو حراز والحجر والنضيراب والعرديبة) وجميعها تأثرت بشكل كبير، واضاف انهم عاشوا لحظات عصيبة في مواجهة السيل لكنهم استسلموا في نهاية الأمر، واحتلت المياه كل جنبات المنزل، وبعدها خرجوا منه بصعوبة قبل ان تنهار غرفه واحدة تلو الاخرى، فكل شيء قد تحطم، والآن يعيشون في ظروف قاسية.

من (فتوار) إلى (الجول)

وذات المشاهد وان بدأت اقل حدة اطلت في منطقة فتوار، ويقول رئيس اللجنة الادارية الشيخ محمد البدوي ان السيول تسببت في انهار (57) منزلاً ونفوق (216) من الماشية، وطالب المنظمات بأن تقوم بدورها لأن الوضع وبحسب رأيه لا يحتمل التأخير، واشار الى انهم يواجهون الآن الفيضان الذي بدأ فعلياً بدخوله الحواشات، وفي المقابل تعرضت منطقة (الجول) الى اضرار بالغة شملت عدداً من المنازل الى جانب مئات الافدنة من الاعلاف.

انهيار المنازل

ومن الناحية الشرقية لمدينة الباوقة يطل حي المخازن الذي يعد من اعرق الاحياء، حيث توجد به بعض المؤسسات القديمة ومنازل للموظفين، الا ان هذا السيول تسببت في انهيار عشرات المنازل واحدثت به خسائر فادحة، وحتى ثمار البلح اخذت تتساقط على المياه دون الاستفادة منها.

وبدأت مشاهد الدمار قبل أن نغادر السيارة، ومحلات تجارية على جانبي الطريق عند مدخل حي العمارة قد انهارت تماماً وبدت سقوفاتها كأنما تعرضت لعمليات قصف جوي، فتناثرت محتوياتها هنا وهناك ووقف بعضهم حائراً حيال الامر.

 ويقول منسق اللجان الإدارية بوحدة الباوقة عادل خليفة ان المنطقة تتكون من (23) مجلساً ويبلغ عدد السكان نحو (47) الف نسمة، وان حجم الاضرار يفوق امكانية الولاية، وهناك (890) اسرة تضررت بشكل كامل والآن تعيش اوضاعاً قاسية، واضاف عادل ان الضرر لحق باكثر (400) فدان علف وعشرة آلاف من اشجار البستنة، فضلاً عن نفوق (1200) رأس من الماشية وانهيار أربع مدارس وتأثر اكثر من (20) مسجداً.

 ونبه عادل الى خطورة الوضع الصحي مع تلوث المياه مع انهيار مئات المراحيض.

 ومن ناحيته ثمن عضو لجان المقاومة عمار بابكر عباس تدافع عدد من المنظمات والجهات، مشيداً بجهود شركة (زادنا) من خلال توفر آليات مازالت تعمل بالمنطقة، الى جانب قافلة قدمت مواد تموينية، فضلاً عن قافلة لمنظمة حاضرين بالتعاون مع مجموعة (بربر في قلوبنا)، الى جانب دعم من مسيد كدباس تمثل في (50) جوال قمح ومثلها من الذرة، الى جانب دعم من حكومة الولاية عبارة عن (150) خيمة وبعض المواد التموينية، وناشد عمار حكومة الولاية الاسراع في تنفيذ خطة اسكان بديلة بكافة الخدمات، وذلك للخروج من هذه المعاناة التى وصفها بالمتجددة.

سوق الباوقة

اما حركة السوق فقد بدأ النشاط يعود، وفتحت بعض المحلات التجارية، لكن السوق يعاني من تردٍ بيئي خطير، اذ تحولت كثير من الفسحات الى برك راكدة تعيق حركة المارة والسيارات وتنبعث منها روائح كريهة، كما تلاحظ انتشار كثيف للذباب مع تراكم الاوساخ.

أين الطريق؟

ولم يكن من السهولة تحديد بداية الجولة، وعندما نطلب ممن نقابله ان يدلنا على اكثر المواقع تضرراً لا يجد غير ان يقول: (البلد كلها مدمرة). وهناك مشاهد متكررة.. اسر في العراء عاجزة عن فعل شيء وترتسم الحيرة على وجوههم وقد فقدوا المأوى ومحتوياته، وصارت اشجار النخيل والمانجو وغيرها من اشجار الظل ملاذاً آمنا من لسعات الشمس، وهنا تجتهد النساء في اعداد وجبة، اذ لا وجود لغاز الطهي، وحتى الاواني المنزلية تبدو محدودة وتنحصر الوجبة ما بين العدس والمرقة.

الأكثر تضرراً

ومن اكثر الاحياء التي تضررت (الباوقة شمال والقلعة والتكاوين والعمارة)، وتتضح ملامح الضرر اذ ان المنازل لم تقو على مقاومة السيل الجارف وفق ما قال عدد من مواطني الاحياء المنكوبة بالرغم من ان كثيراً من منازل هذه الاحياء مشيدة بمواد ثابتة يغلب عليها الحجر والاسمنت، واحياناً تجد منازل مشيدة بالتسليح لكنها انهارت، ولم يتبق الا الاشجار التي صارت ملاذاً آمناً. ويقول عمار ابشر ابو القاسم ان الاضرار التي لحقت بهم تفوق مقدرات المركز والولاية، ويضيف انهم فقدوا كل شيء واصبحوا ضيوفاً في منازلهم المنكوبة وحمل المسؤولية للمحلية. واشار الى وجود عدد من المخالفات التي قال ان المحلية ارتكبتها وتسببت في هذه الازمة، من ضمنها توزيع اراضٍ داخل مجاري المياه، فضلاً عن الردميات والبطء في تنفيذ الكباري وبدون ادنى مواصفات، وهذا ما تسبب في حبس المياه وجعلها تندفع بقوة نحو الاحياء.

(دي حالة دي)

(عليك الله دي حالة دي) عبارة لا تفارق اذنك من حين لآخر وتشي بأن الوضع بات غير محتمل بكل جوانبه.

عربة البوكس التى كانت تقل الركاب من البنطون الى الاحياء تحولت الى برلمان ونقاشات حادة واتهامات لحكومة الولاية بانها لا تتحرك الا بعد وقوع الفأس على الرأس، ويقول احدهم: (حتى الآن لا نرى لها اثراً)، بينما عاب البعض عدم اهتمام الاعلام المركزى بالكارثة. وفي ذات الاثناء تحدثت احدى النساء وقالت انها جاءت على الفور من الخرطوم لمواساة اخوتها وابناء عمها ممن تعرضوا لنكبة السيول، وقالت ان ابن اختها كان على وشك الزواج، وان ترتيباته قد اكتملت بدعوة كافة الاهل، ولكن السيل عجل بانهاء المناسبة واحالها الى حزن عمىق.

خطة سكنية

وداخل حي الحجر بالسلمانية احد المنازل تقف بوابته صامدة، وظل جالساً عليها مسن لا يقوى على الحركة وقد تقدم به العمر، اذ انه يبلغ (100) عام، وجلس وسط بقايا تالفة من الاثاثات، ويقول (العبادي) وقد ذهبت اليه بعد ان القيت عليه التحية، ورغم ضعف سمعه الا ان له ذاكرة متقدة، يقول انه لم يشاهد طول حياته مثل السيل الذي ضرب المنطقة، ويشير الى انه عاصر فيضان عام 1946م، واشار الى موقع بعيد كان قد بلغه ذلك الفيضان. وفي ذات الاتجاه يقول المواطن النور حمادي محمد عثمان ان منطقة السلمانية تضررت بصورة كبيرة وتحتاج الى دعم عاجل، وأشاد بابناء المنطقة بالخرطوم والمهجر، وعاب النور على حكومة الولاية عدم اهتمامها بالازمة، واضاف قائلاً: (لم يسجل لنا اي مسؤول زيارة حتى الآن)، مطالباً بايجاد خطة سكنية مكتملة الخدمات في اسرع وقت.

فقدت كل شيء

وغير بعيد وسط الركام تجتهد اخلاص علي خير الله من منطقة الحجر لانقاذ ما يمكن انقاذه من اثاث المنزل، لكن كمية التراب المنهارة على ذلك افقدتها قوتها وجعلتها تيأس ــ كما قالت ــ من الحصول على سرير تنام عليه. واضافت انها فقدت (مراحاً) من الاغنام، وقالت ان احد ابنائها كان مقبلاً على الزواج لكن السيل جرف كل تجهيزاته للمرة الثانية، حيث كان ينوي الزواج في العام الماضي الا ان الفيضان دمر المنزل. وابدت اخلاص أسفها لموقف حكومة الولاية، مشيرة الى ان كل ما قدمته لا يتعدى خيمة واحدة وكليوجراماً من سكر وكيس شعيرية وآخر مكرونة.

(البتقع من السماء)

وتبدو نايلة محمد صالح متماسكة رغم هول المصيبة، وربما تجارب الحياة اجبرتها على هذا التحمل والقوة، وتقول: (البتجي من السماء تتحملا الواطة.. والحمد لله على سلامة الرقبة والموية داهمتنا وعجزنا عن اخراجها وفوضنا امرنا لله، والآن كما ترى فإن كل شيء قد انتهى، وحتى السراير لم يبق منها سرير والخسارة كبيرة، ودايرين الحكومة تقيف معانا لأنو الخيمة ما كفاية لأنو في مرض، واولادنا في المدارس فقدوا ملابسهم وكتبهم، وحتى الشهادات والمستندات ضاعت، وحقو الوقفة تكون قوية).

زاد الطين بلةً

واختارت سلمى عطا المنان ان تجلس فوق سرير لتتناول وجبة الافطار، والى جوارها والدتها وشقيقتاها، فقد توفي الوالد، وجاء السيل وزاد الطين بلةً ودمر ما كان موجوداً بالمنزل من محصول البلح وطن اسمنت، فضلاً عن الاجهزة الكهربائية، ولم يترك لهم والدهم سوى بقرة واحدة الى جانب اعمال خاصة، وتقول سلمى: (لم يترك السيل سوى جوالات من البلح التالف والاجهزة الكهربائية التي تعرضت للتلف، ولكن نقول الحمد لله فهذا قدرنا، ونطالب الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني بالتدخل العاجل وتقديم يد العون للمتضررين).

الوضع الصحي

المخاوف تبدو حاضرة من انهيار الوضع الصحي وعودة الإسهالات المائية بعد أن شهدت انحساراً واضحاً قبل هطول الامطار الاخير، وما جعل ذلك ممكناً ان المواقع التي شهدت انهيار منازل باتت بدون مراحيض، وان بيئة توالد الذباب موجودة، لكن خلال تجوالنا لم نسمع باية اصابة، وللتأكد من ذلك اضافة الى الاستعدادات لمواجهة آثار الخريف وعدد من التساؤلات، اتصلت بعاصم علي احمد مسؤول الصحة بوحدة الباوقة الادارية، فاجاب بأن الوضع تحت السيطرة، وان هناك جهوداً مبذولة لمواجهة آثار السيول ومحاربة اطوار البعوض والذباب عبر عمليات الرش. واشار عاصم الى مخاوف عديدة خلفتها السيول والامطار وسط آلاف الاسر الذين باتوا في العراء لاكثر من اسبوعين، وتتمثل هذه المخاوف في انتشار الامراض نتيجة لتردي البيئة، مع البدء في حملات الرش وتوزيع الناموسيات وغيرها من التحوطات التي تمنع وقوع كارثة صحية.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى