محمد أحمد الكباشي يكتب: رصاصة الأزمة

طلقة واحدة نسفت كل ما هو جميل ومفرح ورسمت مشهداً حزيناً، وأحالت ساحة الفرح في ثوان معدودات من زغاريد تشق عنان السماء إلى بكاء وعويل ونحيب وحالة من الهيستريا انتابت كثيرين، إذ أن الصدمة وقعت كما الصاعقة عندها سارعت الوسائط تتبارى في نقل الخبر المفجع وانتشاره بينها مثل انتشار النار في الهشيم. وقليلون هم من تمالكوا أنفسهم لمواجهة الفاجعة والتذكير بالصبر والاحتساب، وأنه القدر الذي لا مفر منه وهذا أمر مسلم به، فقد مات عريس الشاعديناب الزاكي وقبرت معه كل أحلامه، ونسأل الله له الرحمة والمغفرة، ولا نقول رب ضارة نافعة وإن كان البعض يظن ان حادثة الدامر ستكون بداية النهاية لهذه الظاهرة القاتلة، فأين النفع من وفاة العريس الزاكي؟
ظللنا نحذر من خطورة إطلاق الرصاص في مناسبات الأفراح رغم الأرواح التي أزهقت بسبب ذلك.. وكأن السلطات المختصة لا تسمع أصوات الرصاص ولا تشاهد من يطلقه، بل كأن دفاتر الشرطة أو المستشفيات لم تسجل حالات إصابة أو وفاة شخص وأحياناً أشخاص وللأسف برصاص الفرح القاتل. فنحن في دولة من السهل أن تتخذ قرارات ولوائح وتسميها صارمة، وتقرأ (كل من يخالف ذلك يعرض نفسه للعقوبة الصارمة).. ولكن تنتهي قيمة مثل هذه الإجراءات مع التوقيع عليها، وأول من يخترق أو يمارس مثل هذه الفوضى ــ إطلاق الرصاص في المناسبات ــ نظاميون في ثياب مدنية، وبالتالي ينبطق عليهم المثل (إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص..) ويصلح استبدالها بـ (بالرصاص ضارباً فشيمة أهل البيت ضرب الرصاص مجموعات).. نعم هكذا هو الواقع ودونكم نهايات كل أسبوع وتحديداً يومي الخميس والجمعة حينما يدوي صوت الرصاص هنا وهناك، وأحياناً يخيل إليك أن اختلالاً أمنياً قد حدث أدى للمواجهة بين جهات نظامية فيما بينها أو مع حركات مسلحة، وذلك لكثافة إطلاق النار وعدم توقفها حتى بعد انتهاء مراسم العقد الذي بسببه منح أصحاب السلاح ــ مرخصاً كان أو غيره ــ الحق لأنفسهم بأن يعبثوا بحياة المواطنين وتعريضهم للمخاطر وإثارة الهلع وإزعاجهم.
ولا أحد يجرؤ على التحدث مع حامل السلاح في المناسبات، خاصةً إذا كان ينتمي إلى جهات أمنية، فلربما أشهر السلاح في وجه من يتصدى له.
هذا هو الواقع المؤلم وهذه هي حتمية التهاون والاستسهال في تنفيذ القرارات. فهل تعيد حادثة مقتل عريس الدامر الأمور إلى نصابها، أم أنها تذهب إلى طي النسيان مثلها مثل كثير من الحوادث التي وقعت على ذات الشاكلة، وإن كانت حادثة الشاعديناب هي الأكثر إيلاماً.
ومن هنا نشيد بالمبادرة التي أطلقتها الزميلة خديجة اسماعيل واسمتها (أفراح بلا سلاح)، ونؤكد دعمنا ومساندتنا لها، بل ونطالب الجهات المختصة ومنظمات المجتمع المدني بدعمها ورعايتها لتكون نواةً للوصول إلى محتمع مدني خالٍ من مظاهر السلاح.
أخيراً:
انتشار السلاح في أيدي غير القوات النظامية بات مهدداً أمنياً، وتسبب في حروبات مازالت رحاها دائرة في عدد من الولايات، بل أن جرائم السرقة والنهب في العاصمة يشكل السلاح الناري القاسم المشترك فيها.
ورسالة أخيرة:
أبعث بها إلى الجهات الأمنية، بأن بعض منسوبيها يتعامل مع السلاح كأنه (عكاز) يحمله في المواصلات ويصطحبه في المطاعم وأمام تجمعات المواطنين، والأسوأ من ذلك فقد شاهدت قبل ما يزيد على الشهر بأم عيني ــ وأقسم بالله على ذلك ــ منسوباً لإحدى القوات النظامية يمشي ( سبعة.. تمنية) يعني (سكران لط) في قلب الخرطوم وبالقرب من مكاتب أمنية، ويحمل هذا السكران سلاحه على كتفه ويتحدث بما يقوله أولئك، وتعليقات المارة على المشهد وملامحهم تبدي أسفاً على هذا السقوط.. وبالتالي ليس غريباً أن يموت عريس لطالما أن الفوضى تأتي على هذه الشاكلة.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى