(الإنتباهة) تقف على أطلالها وتنقل معاناة أهلها.. أروما  .. مدينة تعيش في الرمق الأخير..!!

أروما:  سعد عبد العزيز

أروما مدينة لا يزيدك طول تأملك فيها إلا تحسراً ودهشةً  نسبةً لما كانت عليه وما آلت إليه، إذ تتبع أروما لولاية كسلا وتقع شمال الولاية على الطريق القومي الرابط بين ولايتي كسلا والبحر الأحمر ومجرد وصولك لأروما لأول مرة سيتبين لك أنه كان لهذه المدينة حضارة سادت ثم بادت،  حيث تقف فيها البنايات والمرافق التي شيدها الإنجليز على نمط الريف البريطاني،  شاهقة تحكي عن تاريخ منطقة كانت تعج بالازدهار والتنمية والنشاط وحركة الإنسان ، من أهم هذه المرافق إدارة مشروع القاش الذي تأسس في عهد الاستعمار في بدايات عشرينيات القرن الماضي ومكاتب واستراحات الموظفين والعاملين بالمشروع الذي لم يتبق منه إلا الاسم (اسم المشروع) فيما تحولت الاستراحات إلى أوكار مهجورة تشبه مدن الأشباح فيما يستغل الرعاة بعضها لاستضافة مواشيهم، وكذلك مصنع الكرتون الذي أصبح اليوم أثراً بعد عين (الإنتباهة) تجولت داخل المدينة وخرجت بالمحصلة التالية:
هجرة عكسية
يقول الأهالي إن مدينتهم التي كانت في يوم من الأيام مركزاً للازدهار والتجارة والاقتصاد السوداني وقبلة للباحثين عن فرص العمل والمستثمرين والسياح ،  تعرضت لتهميش وتدمير ممنهج  في الفترة السابقة ، لذلك تعرضت مدينتهم لهجرة عكسية ، حيث غادرتها عشرات الآلاف من مواطنيها ومقيميها ، بسبب انعدام الكثير من مقومات الحياة فيها من بينها فرص العمل وكسب العيش .
في ذاكرة التاريخ
اليوم تعيش أروما أسوأ أيام تاريخها ، تعاني من ترد في الخدمات والبنية التحتية والفساد وتدهور المشروع الذي كان تُصدر محاصيله النقدية كالقطن وزهرة الشمس والخروع لبريطانيا .
(الإنتباهة) زارت  عدداً من  هذه المرافق والمنشآت الحيوية والاقتصادية بمحلية أروما للوقوف على حجم هذا التدهور والتهاوي الذي تعيشه المدينة،  كما استطلعت آراء عدد من الناشطين بالمحلية ومدير مشروع القاش.
اتهام صريح
اتهم القيادي بقوى إعلان الحرية والتغيير بمحلية أروما خضر مصطفى كرار المدير التنفيذي بالمحلية ببيع الميادين العامة وشرعنة السكن العشوائي،  وأضاف أن المحلية تقوم ببيع شهادة البحث بدون اسم مقابل عشرين أو ثلاثين ألفاً ، وأوضح أن عشرات الميادين قامت المحلية ببيعها للمواطنين بهذه الطريقة بدون تخطيط ما تسبب في توسع السكن العشوائي الذي وصل حتى تخوم مستشفى أروما بعد أن تم بيع الميادين التي تحيط به والتي هي في الأساس تتبع للمستشفى،  وزاد في حديثه بأن عملية البناء السكني العشوائي يقوم في بعض الأحيان فوق خطوط المياه مستشهداً بالخط الرئيسي الذي يغذي المحلية وهو خط (12) بوصة، حيث أقيمت عدد من المساكن فوقه  كما أصبحت بعض أعمدة الكهرباء داخل هذا السكن العشوائي، وأشار (خضر)  الى أن عمليات التعدي على الميادين والتي يقف وراءها المدير التنفيذي للمحلية ! حسب قوله،  بدأت منذ العهد السابق ولكنها تفاقمت بعد سقوطه ، مبيناً أن عملية بيع الميادين تتم بطريقتين،  الطريقة الأولى عبر أراضي الولاية ، والطريقة الثانية عبر أراضي المحلية وهي الأكثر شيوعاً ، ومضى في حديثه قائلاً: (جلسنا مع الوالي وطرحنا له المشكلة وأصدر أمرا بإزالة أي سكن عشوائي،  ولكن قراره ظل حبيس الأدراج)  ، وتوقع في ختام حديثه استمرار من سماهم بمافيا الأراضي في عملهم واستمرار التعدي على الميادين وبيعها،  ما لم تتحرك حكومة الولاية وتضع حداً لهذه الفوضى ومحاسبة كل الضالعين في هذا الفساد .
أزمة مياه أروما
الناشط المدني عبده كمال عبد السيد  قال إن مياه الشرب مسرطنة ، واستهل الناشط المدني والملم بتفاصيل ملف مياه أروما  عبده كمال سعيد،  استهل حديثه لـ( الإنتباهة) بعدم صلاحية مياه الشرب بأروما،  بل وزاد في حديثه أنها مياه مسرطنة والسبب يعود إلى الأنبوب الناقل للمياه للمحلية، وهو مصنوع من مادة (الإسبستوس esbotse) وهي مادة مسرطنة،  وبين بأنهم تمكنوا من تغيير هذا الأنبوب واستبداله بأنبوب مادة اليور u. B. V. C. ، ولكن المشكلة تكمن في عدم اكتمال الخط الناقل من كسلا لأروما بهذا النوع من الأنبوب الجيد والصحي (u. B. V .c) ، يقول عبده (التوزيع الداخلي مازال بالأنبوب القديم الذي يحمل الإسبستوس المسرطنة) ، وأشار إلى أن ماينقص المحلية هو (5) كيلو مترات فقط لتكتمل الشبكة الجديدة ، مبيناً أن الخط الناقل القديم القادم من كسلا تم تبديله وتغييره بخط جديد بنسبة 100% ولكن المشكلة في التوزيع الداخلي للمحلية،  حيث مازال الناس يشربون من الأنبوب القديم الذي يسبب السرطان والذي ظللنا نطالب بتغييره منذ عام 2010م ولكن دون جدوى.
مستشفى أروما
هو أحد أهم المرافق الحيوية بالمحلية،  حيث أنشئ في خمسينيات القرن الماضي وهو يقع على الطريق القومي،  وتستفيد من خدماته عشرات القرى بمحليتي أروما وشمال الدلتا ومحلية همشكوريب ، ولكن لم يعد اليوم بوسعه تقديم الخدمات لهذه المجتمعات القروية ولا حتى لمجتمعه المحلي رغم جودة بنيته التحتية ووجود كافة الأقسام به،   وذلك بسبب جملة المشاكل التي يعانيها  المشفى والتي عددها لنا دكتور ناجي الكن والذي سبق له العمل بالمستشفى لسنين طويلة،  وتتمثل هذه المشاكل في نقص الكوادر العاملة وعدم وجود اختصاصيين ،  حيث يوجد دكتور عمومي واحد فقط يعمل على مدار اليوم، كما لا يوجد قسم أشعة ولا بنك دم ولا غرفة عناية مكثفة ولا يوجد اختصاصي تخدير،  وأشار إلى أن مولدات المشفى جميعها متعطلة،  كما أقر بوجود إشكالية كبيرة في أدوية التأمين الصحي ، وأعلن أن مابين (100) إلى (150) مريضا ومريضة يترددون على المستشفى بصورة يومية رغم تواضع إمكانيته ومشاكله الجمة التي لم تجد طريقاً للحل نحو علم وزارة الصحة الولائية بها منذ فترة طويلة وعزا الباشممرض حامد محمد موسى الذي يعمل بالمستشفى منذ عام 1992م تراجع أداء المشفى وتدهوره إلى انهيار مشروع القاش الذي كان يدعم التعليم والصحة معاً،  كما أعلن عن جملة من المشاكل التي يعاني منها المستشفى والعاملون به, أبرزها غياب التدريب للعاملين ، وعن تكدس الأوساخ والنفايات داخل المستشفى عزا الأمر إلى عدم وجود عاملين (كناسين-  جناينية)  .
وفي ختام حديثه عبر عن حزنه العميق لما آل إليه المستشفى ، معدداً بعض المرافق الحيوية التي توقفت وأصبحت مجرد تاريخ من بينها (المشرحة ، المغسلة،  إستراحات وميزات الموظفين والعاملين ) كل هذه المرافق أصبحت خاوية،  وسرقت محتويات الكثير منها كالأبواب والمنافذ وحتى العرش لم يسلم من السرقة،  فيما استوطن بعض السكان بصورة عشوائية هذه المرافق .
مشروع القاش الزراعي
يعتبر أحد أكبر وأهم المشاريع الزراعية التي أنشأها الاستعمار الإنجليزي في البلاد مشروع القاش واعتبر في يوم من الأيام إحدى ركائز وأعمدة الاقتصاد السوداني والعملة الصعبة،  حيث كان يزرع فيه المحاصيل النقدية التي تجلب للبلاد العملة الصعبة،  كالقطن وزهرة الشمس والخروع والتي كانت تصدر للخارج وخاصة بريطانيا.  يقول الأهالي ان هذه المحاصيل النقدية ساعدت بشكل كبير في تنمية واستقرار محليتهم من خلال دعمها للصحة والتعليم عبر برنامج المسؤولية الاجتماعية ، ولكن تبدل حال المحلية والمشروع بعد توقف زراعة هذه المحاصيل واستبدالها بالذرة وتدهور المشروع إلى درجة عجزه عن تسيير نفسه ناهيك عن دعم الخدمات وبرنامج المسؤولية الاجتماعية .
انهيار المشروع
(الإنتباهة) زارت إدارة المشروع والتقت بمديره للوقوف على حاله وأسباب انتكاسته والحلول التي تمكنه من استعادة عافيته يقول الباشمنهدس كمال علي عبد القادر مدير مشروع القاش،  ان المشروع أضحى بلا هوية بسبب عدم تبعيته لأية جهة لا للولاية ولا للمركز رغم القرار الرئاسي الذي صدر في عام 2005م والذي قضى بأيلوله كل المشاريع الولائية لولاياتها،  وأشار إلى أنه منذ (12)عاما لم يعقد اجتماع لمجلس إدارة المشروع،  حتى حل تاريخ 29 يوليو من هذا العام الجاري،  إذ شهد هذا التاريخ انعقاد أول اجتماع للمجلس والذي أعقب هذا الاجتماع إصدار قرار بتبعية ري المشروع لوزارة الموارد المائية، مبيناً أن المساحة الكلية للمشروع تبلغ (700) ألف فدان والصالحة منها للزراعة (400) ألف فدان،  فيما تبلغ المساحة التي داخل شبكة الري (240) ألف فدان،  والتي تحظى منها بالري سنوياً (80) ألف فدان.
آفة المسكيت
وذكر كمال أن المشروع يواجه جملةً من التحديات والمشاكل والتي تسببت في إعاقته وتدهوره،  من بين تلك المشاكل آفة أشجار المسكيت التي تغطي نصف مساحة المشروع،  وكذلك غياب التمويل للمشروع وهو أحد أكبر وأبرز المشاكل، وكمية الطمي بالمشروع وآخر هذه الأسباب التخلي عن زراعة المحاصيل النقدية التي كانت تساهم بنسبة كبيرة في عمليتي التعليم والصحة ودعم الخدمات الأخرى.
مناشدة عاجلة
وسألناه ما إذا كان لهذا المشروع مستقبل أو أمل لإحيائه من جديد وإعادته إلى مجده وعصره الذهبي،  رد لنا بكل صراحة أن الأمل الوحيد الآن هو الحصول على القرض الذي تعهد به بنك جدة الإسلامي والذي يبلغ قيمته (50) مليون دولار  معرباً عن أمله في أن تقوم الحكومة بطرح المشروع للاستثمار الأجنبي والمحلي ، وأشار إلى أن إنتاجية الفدان الواحد تبلغ (25) جوالاً.
وتوجه برسالة لجميع المزارعين يحثهم فيها على الاهتمام بنظافة أراضيهم من أشجار المسكيت وإعادة صيانة وتأهيل قنوات ري المشروع ، داعياً الدولة إلى الاهتمام والالتفات للمشروع من أجل النهوض والتنمية.
الجدير بالذكر أن مشروع القاش تأسس في عام 1924م وحينها كان يسمى شركة أقطان كسلا وهي شركة خاصة واستمر بهذا الاسم حتى 1927م بعدها تحول للجنة القاش حتى 1967م،  ثم تحول اسمه للمؤسسة العامة للإنتاج الزراعي،  وأوضح مدير المشروع أن المشروع أنشئ في الأساس لزراعة القطن الطويلة التيلة ، ويضيف أنه في عام 1980م تحول إلى مؤسسة القاش الزراعية حتى 1992م بعدها تحول لمشروع ولائي تحت مسمى هيئة تعمير القاش استمر على هذا الاسم حتى 2002م،  وفي عام 2003م صدر قرار رئاسي بتبعيته للمركز ويعاد تأهيله كمشروع إتحادي،  وبحلول عام 2005م تم فك ارتباط المشروع وكل المشاريع الزراعية بالمركز وأصبحت ولائية وهي ماعرفت بمشاريع الأيلولة ومنذ ذلك الوقت استمر المشروع بلا هوية حتى تاريخ هذا اليوم.
مرض الحساسية
ربط الباشمنهدس محمد طاهر عثمان (سنيور)  المدير الزراعي للقسم الشمالي والجنوبي بمشروع القاش،  ربط تدهور المشروع والمحلية بنوعية المحاصيل التي كانت تزرع في السابق واليوم ، وأوضح أن المشروع في السابق كان يعتمد على زراعة المحاصيل النقدية التي تجلب العملة الصعبة (زهرة الشمس،  القطن …إلخ) والتي كان من خلالها يتم دعم التعليم والصحة والخدمات الأخرى بالمحلية عبر برنامج خدمات المسؤولية الاجتماعية،  ثم تم استبدال زراعة هذه المحاصيل بمحصول الذرة الذي كتب شهادة وفاة للمشروع، ولفت إلى أن أروما التي كانت تزدهر بالحركة والنشاط الزراعي والتجاري تعرضت لأول هجرة عكسية بعد زراعة محصول (الخروع) حيث هاجر المحلية الآلاف من الأسر والقوى العاملة بسبب مرض (الحساسية)  الذي تسبب فيه هذا المحصول للمواطنين والمقيمين والعاملين ، مشيراً إلى أن المشروع كان ينتج أجود أنواع القطن طويل التيلة في العالم وهذا ماجعل المشروع قبلة للمستثمرين والعمالة في ذلك الوقت، وأضاف أن بذرة إنتاج هذا المحصول بالمشروع كانت تصدر لمشروع الجزيرة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي،  وتابع (سنيور)  في حديثه أن (أروما) شهدت في تلك الحقبة تطوراً عمرانياً لافتاً وازدهاراً غير مسبوق على مستوى إقليم شرق السودان ، مؤكداً أن تطوير المشروع وإعادته للزمن الجميل يتطلب إعادة توطين محصولي القطن وزهرة الشمس،  وعزا توقف مصنع (الكرتون)  إلى توقف زراعة محصول القطن الذي يعتمد سيقان القطن في عملية الإنتاج والصناعة.
ورسم (سنيور)  صورة مأساوية جداً عن أوضاع الموظفين والعاملين بإدارة المشروع،  حيث أفاد بأن العاملين والموظفين يعملون بـنظام (اليومية) وأن الإدارة لا تتلقى دعماً من أية جهة ما تسبب في اتساع رقعة الفقر وتراجع خدمات الصحة والتعليم.
نادي القاش الزراعي
هو عبارة عن ثقافي اجتماعي تأسس في عشرينيات القرن الماضي،  حيث كان يرتاده الموظفون والعاملون والمثقفون أيام الزمن الجميل التي عاشتها أروما،  وشهد هذا النادي إحياء حفلات لكبار الفنانين بالبلاد كالفنان الراحل أحمد المصطفى والفنان الكوميدي الراحل الفاضل سعيد.
اليوم تحول مقر النادي إلى مقر للحمير والمواشي التي تجول وتصول بداخله طول اليوم،  وبعض أسواره الخارجية انهارت،  فيما تحولت جدرانه المتبقية إلى مراحيض يتستر خلفها الناس للتبول والتبرز، في مشهد غير حضاري .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى