(الإنتباهة) تفتح الملف المسكوت عنه تمويل الأحزاب في السودان.. هل هناك تمويل خفي؟

(1 ـــــ 2)
الخرطوم: عبد الرحمن صالح
كثرت الاتهامات في بداية الفترة الانتقالية عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، عن تلقي بعض الاحزاب السياسية في الحكومة الانتقالية أموالاً ودعومات من دول خليجية، والاتهامات بتلقي الاحزاب أموالاً لم تكن وليدة اللحظة، اذ نجد أن الاحزاب السياسية ظلت منذ استقلال البلاد تكيل الاتهامات لبعضها البعض بتلقي الاموال من الخارج ومن الحكومات بالداخل. وظهرت تهم بتلقي أموال من جهات مناوئة لصالح أعمال تخريبية في الكيانات السياسية إبان حكومة الديمقراطية الأولى التي اعقبت الاستقلال، أثناء الصراع داخل الحزب الاتحادي الديمقراطي بين مكوناته من الخريجين الذين استولوا على مقاليد الحزب والسلطة بزعامة الرئيس إسماعيل الأزهري وطائفة الختمية بزعامة السيد علي الميرغني، ونجم عن هذه الخلافات سقوط حكومة الأزهرى وانقسام الحزب الاتحادي الديمقراطي إلى حزبين، وهو ذات السلوك الذي انتوى الأزهري فعله بحسب وثائق أطلقتها الإدارة الأمريكية أخيراً أشارت فيها إلى أن السفارة البريطانية في الخرطوم أرسلت إلى لندن تقريراً في 21/11/1958م بأن السبب الرئيس لانقلاب عبود يعود للخوف من سيطرة المصريين على السودان.
وقالت إن إسماعيل الأزهري زعيم الحزب الوطني الاتحادي الذي كان في القاهرة قبيل الانقلاب، حصل على دعم مالي كبير من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأن جزءاً من الأموال سيخصص لكسب نواب داخل البرلمان لإسقاط حكومة عبد الله خليل. (وربما سيذهب جزء إلى ضباط في القوات المسلحة موالين للاتحاديين ويؤيدون مصر، ليس بالضرورة للقيام بانقلاب عسكري، ولكن لمواجهة انقلاب عسكري ينظمه عبد الله خليل). وتواصلت الاتهامات بين الاحزاب، حتي بدأ كثير من اعضاء حزب الامة القومي يشككون في مصادر تمويل الحزب، ولكنهم لم يأتوا بدليل قاطع لتلك الشكوك، وبحسب مراقبين منذ انقلاب الانقاذ في عام 1989م واستيلائها على السلطة في البلاد، ويتردد بقوة أن بعض احزاب (التجمع) المعارض وقتها كانت تتلقى الدعومات من امريكا ومن منظمات غربية الى حين توقيع اتفاقية نيفاشا في عام 2005م، ليبقى السؤال المشروع هل الاموال الامريكية والخليجية مازالت مستمرة وتتدفق على الأحزاب؟ وهل تمتلك الاحزاب مصادر دخل تمول بها انشطتها بخلاف بند (اشتراكات العضوية) وغيرها من طرق جمع الاموال؟ وهل تمتلك الاحزاب شركات استثمارية تمول انشطتها؟ وغيرها وغيرها من الاسئلة التي قد تعتبر عند بعض مشروعة وعند آخرين اسئلة تجريمية.
خرق القانون
وأثار الكثيرون العديد من اللغط حول تلقي حزب المؤتمر الوطني المحلول مساعدات خارجية بينما هو في السلطة، حيث دارت الاحاديث حول تلقي الحزب الحاكم وقتها دعماً من جهة خارجية، لانشاء المبنى الضخم الجديد للحزب في شارع المطار، وهو الامر الذي دفع قادة الحزب آنذاك للخروج والتأكيد على أن تمويل المبنى تم بمنحه من الحزب الشيوعي الصيني الصديق للحزب، ومعلوم أن تلقي الأموال الخارجية بواسطة الأحزاب الوطنية أمر يحظره قانون الاحزاب السياسية ويعد خرقاً للقانون، اذا نجد أن المادة (3) في الفصل الخامس تنص على أنه لا يجوز للحزب السياسي قبول أى تبرع مالي من أى شخص أجنبي أو من أية جهة أجنبية، وتحصر الموارد المالية للحزب السياسي في اشتراكات الأعضاء والتبرعات والهبات من الأفراد والهيئات والشركات الوطنية غير الحكومية، على أن تكون هذه التبرعات والهبات معلنة ومسجلة لدى المجلس، وريع استثمار أمواله في الأوجه التي يحددها هذا القانون، وأي دعم تساهم به الحكومة وتتم إجازته ضمن الموازنة العامة للدولة. خروقات المؤتمر الوطني لقانون الاحزاب الذي وضعه لم تتوقف عند تلقيه أموالاً من الخارج فقط، بل تعدته عندما كشفت لجنة إزالة التميكن واسترداد الاموال عقب سقوط النظام البائد عن وجود حساب تجميعي لتمويل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني المحلول، وبحسب عضو اللجنة وجدي صالح ان الاموال تم الاستيلاء عليها من الخزانة العامة للدولة من خلال التمويل، وتأتي من المنظمات وتصب في هذه المؤسسات، ومخالفة المؤتمر الوطني الذي تحول في آخر ايامه الى كاسحة الغام سياسية هي أحد اشكال الدعومات التي تتلقاها الاحزاب، ليبقى السؤال هل هناك دعم مادي ودعم تنظيمي تتلقاه الاحزاب من الخارج؟ وسوف نترك للقارئ مشقة عقد العلاقة بين تلقي الاحزاب أموالاً خارجية لتسير أنشطتها وبين تسييرها من اشتراكات عضوية الحزب وتبرعات اصدقائها؟
مكايدة سياسية
(الانتباهة) حاولت الوقوف على تجربة تمويل الاحزاب، عقب الاتهامات والاحاديث الكثيرة التي أصبحت تدور حول أن عدداً كبيراً من الاحزاب السياسية يتلقى تمويلاً ودعومات من جهات ودول خارجية، واخرى تتلقى أموالاً ودعومات من الحكومة الانتقالية التي تشارك فيها، ووجدنا كثيراً من قيادات بعض القوى السياسية لا تعلم الكثير عن مصادر تمويل حزبها، ربما لأن دائرة المعلومة فيها ضيقة او تهرب قياداتها من الإدلاء بافادات، وبعض الاحزاب السياسية ليس لديها ما تخفيه عن مصادر تمويلها، لانها بحسب افادات قيادات فيها لا تمتلك المال الكافي، ولكنها غنية بأشخاصها، واخرى ترى أنها احزاب غنية بعضويتها وليست بحاجة الى أموال او دعومات من جهات، سواء كانت خارجية او داخلية، حتى تقوم بتسيير أنشطتها.
اتهامات ومكايدة
(هناك اتهامات تطلق من أشخاص موجودين في الفيسبوك، ولا قيمة لها، وتأتي من باب المكايدة، وكلام سخيف).. بهذه العبارات قلل القيادي بالتجمع الاتحادي جعفر حسن من الاتهامات التي طالت التجمع بحصوله على دعومات وتمويل من لجنة إزالة التمكين ومن الحكومة لتسيير أنشطة التجمع، وآخرها رتل السيارات الحديثة (الكونفوي) الذي سيره التجمع لعقد مؤتمر للحزب بالقضارف، وتساءل جعفر قائلاً: (هل لجنة التمكين لديها أموال وسيارات حتى تقوم بدعم الأحزاب؟)، ويضيف قائلاً: (اللجنة الآن تشكو من العوز، وهي غير قادرة على مصاريف تسيير عضويتها، وتبحث عن مرتباتهم من وزارة المالية)، ويجزم بأن التجمع لم ياخذ أموالاً من عضوية الحزب داخل الحكومة، وقال: (عضويتنا في الدولة ما شلنا منهم قروش الشير)، ويؤكد جعفر في حديثه لـ (الانتباهة) أن جميع السيارات التي ذهبت في الموكب كانت تخص أعضاءً بالحزب، وقال: (من عضويتنا بالحزب من اتى بأكثر من سيارة، ونحن حزب كبير ولديه عضوية كبيرة تدعمه)، وأضاف قائلاً: (هل منكم من رأى نمرة حكومية في السيارات التي ذهبت للقضارف؟).
اعتماد على الذات
وفي ذات المنحى يؤكد الناطق الرسمي لحزب البعث العربي الاشتراكي المهندس عادل خلف الله، أن حزبهم يعتمد على (الذات) وجماهير الشعب السوداني في تمويل انشطة الحزب، ويقول ان التمويل للحزب يتم من اشتراكات العضوية وتبرعات الأصدقاء، ويذهب عادل في حديثه لـ (الانتباهة) الى أن حزب البعث ابان فترة الديمقراطية كانت لديه استثمارات في مجال الأنشطة الإعلامية، حيث كان يمتلك مطبعة ومكتبات، ويضيف قائلاً: (لكن تمت مصادرتها من قبل الانقلابيين في الحركة الاسلامية، نظام الانقاذ سابقاً)، وحول تلقي حزب البعث أية أموال أو دعومات من جهات خارجية، خاصة أن الحزب مرتبط باحزاب خارجية في دولة عربية، يجزم عادل خلف الله بأن الحزب لم يتلق أموالاً ودعومات من الخارج طوال مسيرته ولن يتلقى، ويشير الى أن حزب البعث قومي، وطوال تجربته في السودان يقدم مساهمات للمركز القومي، والحزب ليست لديه أية علاقة بالسلطة.
طوق من السرية
وكثير من الاحزاب السياسية تخشى البوح بمصادر تمويل أنشطة الحزب، وتؤكد أن الاحزاب تمول عبر مصادرها التقليدية مثل الاشتراكات ودعومات الاعضاء والاصدقاء وغيرها، في وقت يرى فيه البعض ان المصادر التقليدية ليست ذات جدوى، ولا يمكن لاية قوى سياسية الاعتماد عليها في ظل الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد، مما يجعل الانظار تتجه الى المصادر الاخرى لتمويل الاحزاب، وبعض الاحزاب الموجودة في الساحة السياسية تضرب طوقاً عالياً من السرية حول تمويلها الحزبي.

وفي هذا السياق يشير جعفر حسن الى أن مصادر تمويل أنشطة التجمع الاتحادي تتم من اشتراكات عضوية الحزب ومن دعم العضوية الانشطة والبرامج الكبيرة التي تخص التجمع، ويضيف أن التجمع الاتحادي حزب كبير ويعمل بيد واحدة، وقال: (كل من يقولون إن التجمع مدعوم من أشخاص مخلوعون وعائشون في أحزاب صغيرة لا وزن لها، وإذا لم يستطع الحزب أن يمول أنشطته من خلال عضويته فهو ليس حزباً سياسياً)، ويتباهى جعفر بالأموال والسيارات التي يمتلكها الحزب قائلاً: (الكونفوي والسيارات التي ذهبت الى مؤتمر القضارف لا تساوي شيئاً، ونحن الى الآن لم نبرز قدراتنا المالية، والناس سوف تنخلع من الكونفويات القادمة، ولدينا مواكب قادمة سوف تذهب الى الولايات أكبر من موكب القضارف، وسبق أن ذهبنا الى إحدى الولايات بطائرات لعقد مؤتمر بها)، ويؤكد مقدرة التجمع على تسيير قوافل، وقال ان الحزب سبق أن سير قافلة دعم لمناطق بالقضارف.
وطلب جعفر من كل من يملك مستنداً أو ورقة تثبت تمويل الحكومة للتجمع أن يقدمها ويدخل في محاكمات مع الحزب، وقال: (سوف نرهق كاهله بالتعويضات التي سوف نطلبها لأنه سوف يخسر القضية)، ويؤكد جعفر أن التجمع الاتحادي حزب موجود بكثرة في الساحة السياسية، ولديه اسهامات كبيرة، ولا يستطيع اي حزب أن يصنفه بأنه حزب صغير، وقال: (المياه تكذب الغطاس، ونحن من الاحزاب القليلة الآن في الساحة التي تجوب الولايات طولاً وعرضاً لعقد مؤتمراتها، وفي كل ولاية لدينا قواعد جماهيرية كبيرة جداً، والتجمع حزب كبير ولديه قيمة في الساحة السياسية، وغني بعضويته ولا يأخذ شيئاً من الحكومة).
مشاركة من أجل الأموال
ويذهب عادل خلف الله الى أن الحزب لم يتلق اية مساعدات من الداخل أو من الحكومة الانتقالية، وأعلن رفضهم مشاركة القوى السياسية في الحكومة، ووضع الحصول على الاموال من الحكومة ضمن أهدافها، ويؤكد عادل أن مشاركتهم في الحكومة رمزية في سلطة متنوعة، ويضيف قائلاً: (على صعيد مجلس السيادة الانتقالي لدينا عضو واحد من اصل (14) عضواً بالمجلس، وعلى صعيد مجلس الوزراء لدينا وزير واحد من اصل (26) وزيراً بالحكومة، وعلى صعيد الولاة كان لدينا والٍ واحد فقط، والآن ليس لدينا اي والٍ). ويؤكد عادل أن حكومة الفترة الانتقالية لم تقدم اي دعم مالي او مادي لاي حزب سياسي في الحكومة، ويشير الى أن النشاط السياسي والدور وحركة سيارات حزب البعث العربي الاشتراكي تتكفل بها مساهمات عضوية الحزب، ويضيف قائلاً: (ليست لدينا امدادات مالية خارج هذا الإطار).

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى