موكب (21) أكتوبر.. محاولة لإعادة التوازن

الخرطوم: أحمد طه صديق
يبدو أن التاريخ قد أعاد نفسه لكن بصورة سريعة غير متوقعة هذه المرة، فبعد فض الاعتصام في يونيو 2019م أذاع الفريق أول البرهان قائد المجلس العسكري آنذاك بياناً أعلن فيه وقف التفاوض مع الحرية والتغيير حول قسمة الشراكة بين الطرفين وصياغة وثيقة دستورية حاكمة للفترة الانتقالية، بينما رحبت بعض الإدارات الأهلية وبعض قيادات محسوبة على النظام السابق بالخطوة التي كانت تمثل نهاية الحكم المدني حتى قبل أن يتبلور ويعلن حكومته، الا أن الرد جاء سريعاً في الثلاثين من يونيو، حيث تقاطرت جموع الثوار من كل مدن وضواحي الخرطوم والولايات، لتعلن رفضها وأد ثورتها التي مهرت بشلالات من الدماء، فلم يلبث المجلس العسكري إزاء هذا الطوفان الشعبي أن أعاد النظر في قراره وأعلن استئنافه مجدداً الحوار مع وفد الحرية والتغيير، لكن مع ذلك أثبتت الأيام أن المكون العسكري هو الذي كسب الجولة في الحوار رغم تكوين حكومة مدنية، وذلك لأنه استطاع أن ينتزع الآليات الأمنية المهمة ووضعها في كنفه مثل جهاز المخابرات العامة والشرطة، فأصبحت الحكومة المدنية بلا أسنان أو أظافر، وهو ما وضح جلياً إبان التفلتات الأمنية العديدة التي وقعت حتى في قلب الخرطوم، فضلاً عن الصراعات القبلية الدامية التي لم يتم احتواؤها مبكراً، ثم جاء قفل طريق شرق السودان بما فيه السكة الحديد والموانئ البحرية، الأمر الذي شل حركة الاقتصاد الوطني وتدفق الأغذية، فإذا كانت الحكومة المدنية تملك القرار الأمني لتمكنت من تأمين وحراسة هذه المرافق الحيوية استباقاً لإغلاقها، سيما أن جماعة الناظر ترك كانت قد هددت بإغلاق الطريق، كذلك حتى لجان التمكين لم تستطع الحكومة المدنية حمايتها في حال سحب القوة المنوط بها التأمين منها.
موكب القصر
ويرى العديد من المراقبين أنه حين بدأت بشائر الإصلاح الاقتصادي للحكومة المدنية تظهر وتتبلور مثل انخفاض التضخم والحفاظ على سعر الصرف والتوسع الكبير في المشروعات الزراعية وتدفق رؤوس الأموال الداعمة من المجتمع الدولي المتمثلة في مشروعات حيوية تتعلق بالبنى التحتية كالطرق ومشروعات التنمية للمناطق الأقل نمواً وبدء عودة النازحين في بعض المناطق، فزع الطامعون في السلطة من مغامرين وسدنة نظام المؤتمر الوطني، لأن الاستقرار والتنمية وعافية الاقتصاد تقطع عليهم الطريق نحو سدة الحكم في حالة استكمالها، لهذا عمدوا لتصعيد الخلاف وتوجيه الاتهامات بالفشل تجاه الحكومة المدنية، فقرروا انتهاج الانقلاب الناعم الذي في ظنهم قد يحيد المجتمع الدولي من مناهضته رغم أنه اعتمد على أساليب اللعب السياسي غير النظيف.
فكانت الدعوات لتوسيع المشاركة السياسية في الحكم بما سموها العودة لمنصة تأسيس الحرية والتغيير، وهي دعوة المراد بها الإخلال بالتوازن الميكانيكي داخل المنظومة، حيث أن للمكون العسكري المتوائم مع تلك الدعوة حصة في المجلس التشريعي يختارها بنفسه، وكذلك الحركات المسلحة ثم إذا أضيفت لها مكونات أهلية وسياسية مصطفة ضد مركزية الحرية والتغيير، فهذا يعني أن المجلس وفق تكوينه سيقوم بعملية انقلاب ناعم على مبادئ الثورة وأهدافها، فهم ضد إزالة تمكين النظام السابق بحجة تحقيق العدالة، مما يعني أنه من خلال تلك البوابة يمكن أن يعود التمكين مجدداً للقوى القديمة من حيث عودة كوادرها للخدمة في مرافق الدولة، وكذلك استرداد عقاراتهم وأموالهم المصادرة، علاوة على حياكة قانون انتخابي يمكنهم من اكتساح الانتخابات بمساعدة آلية السطوة التي يملكونها مادياً وأمنياً، ثم يشكلون ما سموها حكومة تكنوقراط تقوم بتسيير شؤون الدولة بتفويض محدود لا يتجاوز صلاحيات الوكلاء، فهم لن يستطيعوا أن يقيلوا موظفاً أو يصدرون قراراً يتصادم مع مراكز القوى في النظام وأعوانهم من السدنة. وتمهيداً لتلك الخطوة كان اعتصام القصر الجمهوري المصنوع والمحشود حتى بالأطفال القصّر.
موكب (21) أكتوبر
وإزاء تلك الخطوات المهددة لوجود ثورة ديسمبر، قرر ثوارها تسيير موكب اليوم الموافق لذكرى ثورة أكتوبر المجيدة التي أطاحت نظام الفريق إبراهيم عبود العسكري في أكتوبر 1964م عبر ثورة عارمة اعتبرها مؤرخو السياسة أول ثورة شعبية في العالم العربي والإفريقي تطيح نظاماً عسكرياً عتيداً.
ويرى المتابعون للشأن السياسي في السودان أن موكب اليوم الجماهيري سيكون حاشداً بعدد كبير من الثوار من الجنسين، وهو موكب يعتبر محاولة جادة لاستعادة التوازن الثوري لقوى الثورة بعد تطاول القوى المعادية لها وارتفاع صوتها وإشهار مطالبتها بتسليم السلطة المدنية للعسكر مما يعني إعلان شهادة وفاة لثورة ديسمبر الشعبية.
وحملت الأنباء أن لجان المقاومة بحسب صحيفة (الجريدة) قد قامت بتنظيم تظاهرات ومسيرات ومخاطبات ضخمة بالخرطوم وود مدني أول أمس، وانخرط المئات من الثوار واعضاء لجان المقاومة في المواكب التحضيرية بكل من بري، جبرة، الحلفايا، الصافية، الديم، الشجرة، اللاماب، الخرطوم شرق، الحاج يوسف، العباسية، شمبات، أبو روف، ود نوباي، الجريف، السامراب، المهندسين، جنوب الحزام والجيلي.
وفي خضم تلك الاستعدادات حاول الفريق المناوئ إعلان تظاهرة في ذات التوقيت بل في نفس المسارات التي أعلنها الثوار بالخرطوم لمسيرة موكبهم، وهي محاولة تسعى لعرقلة الموكب الذي لا يريدون له أن يشكل إعادة توازن كبير لعودة القوى الثورية وفضح محاولات الحشود المصنوعة، إلا أن الثوار بحسب الأنباء عازمون على تسيير موكبهم الهادر الذي يرى المراقبون أنه سيشكل علامة فارقة في مستقبل ثورة ديسمبر المجيدة.

 

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى