المعادلات الغائبة

حروف ونقاط

> في ظل التجارب الدامية التي شهدتها المنطقة العربية في السنوات الأخيرة، هناك سؤال مطروح: من أين تأتي المساواة والعدالة في المجتمعات، ومن أين يأتي الظلم وكراهية الآخر التي تصل إلى حدود القتل؟
> عندما تفقد السياسة بعدها الحواري ووظيفتها في الوصول إلى حلول وسط، تتحول إلى لغة مدح تجاه الحاكم المطلق، تخوينية تجاه معارضته.. بذلك يتم إلغاء العملية السياسية من أساسها، وعندما يطول هذا الإلغاء عقوداً، لا تتعفن السياسة وحدها، بل يتعفن المجتمع. وبالتالي، بدل أن تكون السياسة آلية لحل الخلافات وتسويتها، والوصول إلى حل وسط، تصبح أداة توتير للمجتمع، ووسيلة لاختراقه للتحكم به من أسوأ أدوات الحكم.
> لا تقوم الأنظمة السياسية في منطقتنا على أساس (العقد الاجتماعي) بوصفه أساساً مكوناً للمجتمعات الحديثة، إنما تقوم على عقود (إذعان)، يفرض من خلالها المستولي على السلطة عبر أدوات القوة على المجتمع الشروط المجحفة التي تجعله يحتكر كل السلطة، في مقابل الحفاظ على حياة الرعية، بوصف هذا الحفاظ مهمة عظيمة، وليس بوصفه مهمة طبيعية للدول الحديثة.
> هذه الأجواء تقود للتهميش السياسي وقمع التعبير مما يولد الاحتقان، في وقتٍ تدّعي فيه هذه السلطات أن بلدانها مستقرة، وينتظرها مستقبل باهر.. في مثل هذه الحالة، يولد مجتمعان فعلياً. المجتمع الذي يتحدث عنه الحاكم بوصفه منتجاً فذّا للحاكم الصالح الذي حقق الإنجازات الضخمة، التي ما كان لغيره أن يحققها. في وقت تتجسّد هذه المنجزات في الواقع الاجتماعي الحقيقي، كإفقار متزايد، وتفكك اجتماعي، وتدهور اقتصادي، وتردٍّ تعليمي، واحتقانات اجتماعية.
> الغائب في هذه المعادلة خيار الحقوق والواجبات، خيار دولة المؤسسات وحرية التعبير عن الرأي، خيار (العقد الاجتماعي) الذي ينظم السلطة وينظم الصراع السياسي، ويجعل إمكانية اشتراك الجميع في العملية السياسية ممكناً، بحيث يصبح الجميع شركاء في العملية السياسية، تتبدّل مواقعهم في السلطة والمعارضة، حسب آليات تصويت المواطنين للطرف السياسي الذي يعتقد أنه سيحافظ على مصالحه، من دون أن يعني إلغاء الآخرين من العملية السياسية، على العكس، يعني إبقاءهم معارضة قوية لمراقبة السلطات القائمة ومحاسبتها ونقدها. وبالتالي تجري العملية السياسية في أفضل حالة خدمة للمجتمعات ومستقبلها.
> قد يبدو هذا حلماً بالنسبة لبلداننا، ويعتقد بعضهم أنه غير ممكن، لكن السؤال لماذا لا؟ إذا كان الآخرون قد استطاعوا إنجاز هذه المعادلة، وهي فعّالة في بلدانهم، وهم بشر مثلنا من لحم ودم. فهو بالتأكيد ممكن عندنا، لا أقول هذا بمعنى النقل الميكانيكي لتجارب الآخرين، إنما الحديث يدور عن القيم والعقد الاجتماعي الذي أسس هذه المعادلة في تلك البلدان.
> إذا أردنا أن نختصر، المعادلة هي ببساطة معادلة الحريات، المجتمع الحر هو ما يحل مشكلاته وصراعاته سلمياً، ومجتمع الاستبداد هو ما يحل مشكلاته وصراعاته بالعنف.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
Do NOT follow this link or you will be banned from the site!
إغلاق
إغلاق