بعد خروج حمدوك .. إتفاق تحت نيران العواصف 

قراءة / أحمد طه صديق

يبدو أن الفريق البرهان وشركائه في السيادي والمكون العسكري قد تنفسوا على الأقل مؤقتاً الصعداء بعد توقيع الإتفاق الإطاري الذي أفضى لعودة د. عبد الله حمدوك إلى المشهد السياسي رئيساً للوزراء لكن دون رفقائه في الحرية والتغيير في مجلسي السيادة والوزراء ، بعد قرابة شهر من الإبعاد القسري له ومنظومته بعد خطوة الفريق اول عبد الفتاح البرهان القائد العام للقوات المسلحة في الخامس والعشرين من إكتوبر الماضي بحل الحكومة وإلغاء الشراكة مع الحرية والتغيير وحل الحكومة المدنية وإعتقال جل طاقمها وإعلان حالة الطوراي وتكوين مجلس سيادة لاحقاً شارك فيه حلفائه من الحركات المسلحة الموقعة على إتفاق جوبا للسلام ومجموعة الميثاق التي كانت قد اعتصمت قبل تك الخطوة داعية إلى تشكيل حكومة بل أن مجموعة منهم دعت لتفويض الجيش لإستلام السلطة فيما أكد أحد كوادرهم النشطة بأنهم لن يرجعوا من الإعتصام حتى يخرج البيان وهي دعوة صريحة بحسب المراقبين لتدخل الجيش الذي توافقت رؤية قائده معها فتحققت لهم تلك الأمنية السياسية التي مثلت موقفاً مفصلياً معقداً حتى الآن في الساحة السودانية .

وازاء تلك الخطوة من قيادة القوات المسلحة والمكون العسكري في مجلس السيادة خرجت مواكب جماهيرية غاضبة وهادرة طوال الأيام الفائتة تندد بها وتدعو إلى عودة االحكم المدني رافضة حتى الشراكة السابقة مع العسكر ، وبالرغم من الضغوط الشعبية والدولية الداعية لعودة الحكومة المدنية مضى الفريق أول البرهان ومنظومته في خطواتهم وعملوا على تكريسها بإحداث تغيير وإحلال في الخدمة المدنية كما قاموا بإغلاق شبكة الإنترنت لعرقلة وتحجيم نشاط التظاهرات وأكدوا عزمهم على تكوين حكومة مدنية كفاءات وسعوا لإقناع د.عبد الله حمدوك لرئاستها لكن ظل رافضاً حتى يوم أمس حين فاجأ الجميع بموافقته لرئاسة الحكومة التي سيتم إختيارها لاحقاً لكن في ظل تحولات مؤثرة في الوثيقة الدستورية حيث تم إبعاد الحاضنة السياسية الحرية والتغيير من المشهد السياسي وتكوين مجلس تشريعي قالوا إنه يمثل المشاركة السياسية الواسعة وهو ما ظل البرهان وجماعة الميثاق يدعون إليه بإلحاح وربما ولم ينجح د, حمدوك في تلبية شروطه مع العسكريين لإعتلاء منصب الوزراة إلا في إبعاد الحركات المسلحة من المشاركة في السلطة المدنية مجدداً فهو لم ينس إن غالبيتهم كانوا من أشد الداعين لحل الحكومة وإبدلها بأخرى يشاركون فيها أيضاً مجدداً بحسب صك إتفاقية جوبا للسلام .

 

المآلات المتوقعة

 

وفي اعقاب توقيع الإتفاق الإطاري بين د. عبد الله حمدوك رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ورئيس مجلس السيادة الفريق أول البرهان سارعت الحرية والتغيير وتجمع المهنيين رفضهم للخطوة مجددين موقفهم برفض الشراكة مع المكون العسكري التي برزت بقوة سيما بعد خطوة الخامس والعشرين من إكتوبر وما تبعها من سقوط شهداء وجرحي من الشباب المتظاهرين ضد تلك القرارات التي وصفوها بالإنقلاب ليس على الحكومة المدنية فقط ولكن على التحول المدني الديمقراطي في البلاد .

وهي تطورات يعتبرها المراقبون بإنها جعلت مستقبل الفترة الإنتقالية على المحك في ظل الإسقاطات السلبية التي ستفرزها ، إذ أن الشارع الملتهب سيزداد لهيباً ويبدو أن د. حمدوك كانت حساباته خاطئة وربما تأثر بالتعقيدات العميقة التي تواجها البلاد على كافة الأصعدة بعد قرارات البرهان التي جعلت الأفق وكأنه بات مسدوداً إلا بالأمل المحاط بمآلات ملئية بالأشواك والمطبات فأراد بهذه الخطوة أن يتخذها طوق نجاة ومعبر يحقق بها تطلعاته وأشواقه في العبور بالفترة الإنتقالية إلى بر الآمان , بيد أن د. حمدوك فيما يبدو لم يدرك جيداً مآلات تك الخطوة المتعجلة في ظل الواقع الحالي والذي إذا ما إستمر بتلك الكيفية فإن ثمة تحولات جذرية في االواقع السياسي على الأرض من شأنه أن يقطع الطريق على مسار الثورة وأهدافها لأنه سيكرس معادلة جديدة في الخارطة السياسية بعد الإنتخابات القادمة في حال قيامها رغم تلك الإحتجاجات الشعبية والرفض من القوى السياسية التي تمثل الثورة ، ذلك لآن فتح الباب واسعاً لكل القوى السياسية مع إستثناء شكلي للمؤتمر الوطني في المجلس التشريعي ومفاصل الدولة يعني تكوين معادلة جديدة في الحكم المستفيد الأول منها هو النظام القديم ومؤيده الحاليين في الساحة السياسية الآن ، فالمجلس التشريعي هو الذي سيضع قانون الإنتخابات وسيجيز مشروع الدستور الذي يحدد نمط الحكم في المرحلة القادمة والذي ربما يجاز فيه النظام الجمهوري مما يتيح لقوى المعادلة الجديدة الإتكاء على صلاحيات واسعة يمتلكها مرشحها الفائز في تلك الإنتخابات التي من المتوقع أن تنال معارضة واسعة من قوى الثورة .

بيد أن أفرادها ومؤيديها ربما يراهنون على إعتراف المجتمع الدولي بها كأمر واقع وإن كان يعلم إنها غير مبرأة من العيوب والدخن .

غير أن ذلك كله رهين بقدرة الشارع على إبقاء ثورته في حالة الفوران الدائم بعيداً عن السكون واليأس لكن قبل تلك الفترة اللاحقة فإن إستقرار الفترة الإنتقالية علاوةعلى إنه مرتبط برضا الشارع لكن تماهي المجتمع الدولي مع قرار الشارع العريض وحلفائه في الحكم المدني السابقين ربما يجعله يتحفظ على وثيقة التراضي الأخيرة بين حمدوك والبرهان بإعتبار إنها لن تحقق الإستقرار في البلاد كما إنها لن تمثل النمط الديمقراطي المثالي الذي يضغط على تكريسه قوى المجتمع والنخب في الولايات المتحدة فضلاً على ذلك تخشى الولايات المتحدة والغرب من عودة النظام القديم عبر منظاط المنظومة الحالية في مرحلة ما بعد الإنتخابات في ظل مشاركة سياسية منتفتحة دون كوابح وإحجام من قوى الشاب المتحرر في إفكاره والقوى اللبرالية من المشاركة في تلك المعادلة التي فرضها الأمر الواقع بواسطة قيادة الجيش .

من هنا يرى المراقبون إذا ما تحفظت الولايات المتحدة والغرب على التحولات الطارئة بإعتبارها إسقطت معادلة مهمة في الحكم فإنها ستحجب دعمها للحكومة الجديدة رغم وجود رجلها المفضل د. حمدوك , مما يعني بأن الحكومة ستواجه تعقيدات إقتصادية معقدة وضغوط شعبية كبيرة ربما تفضي بضغوط من الولايات المتحدة فيما بعد بإحداث تحولات في الخارطة السياسية بعودة منظومة الحرية والتغيير للمعادلة في الحكم و إرضاء السند الشبابي الكبير بإعتبارهما يمثلان كابحاً قوياً ضد مسار النظام القديم في المرحلة الحالية ومستقبل البلاد في الفترة القادمة ، وستعمل الولايات المتحدة بمحاولة إبقاء شراكة رمزية للعسكرفي المرحلة المقبلة دون صلاحيات تنفيذية وإعطاء القطاع المدني صلاحيات تنفيذية واسعة من حكومة تنقراط تتفق عليها قوى الثورة لها حق الإشراف الفعلي على المنظومة الأمنية عدا الجيش مما يتيح لتقوية الإذرع المدنية وصولاً لتحقيق التحول المدني الديمقراطي المنشود من كافة قوى االثورة والمعايير الدوية .

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى