تعديل الوثيقة الدستورية ..  إعادة للتوازن المدني أم تكريس جديد للسيادي ؟     

الخرطوم : أحمد طه صديق

لم يكن ميلاد الوثيقة الدستورية ومخاضها أمراً سهلاً فقد إنبثقت بعد جلسات ماكوكية ساخنة بين وفد(الحرية والتغيير) والمكون العسكري وشابها التعثر في كثير من الأحيان بل إيقاف التفاوض من جانب العسكريين عبر خطاب أعلن فيه الفريق أول عبد الفتاح البرهان إيقاف جلسات الحوار مع وفد (الحرية والتغيير)  بيد أن الرد جاء سريعاً من شباب الثورة عبر موكب هادر حيث لم تكن قوى الثورة منقسمة آنذاك والفوران الثوري في أوجه ودماء الضحايا والجرحى لم تجف يعد ، فسارع بعدها رئيس المكون العسكري بإلقاء خطاب آخر أعلن فيه عودة التفاوض مع (الحرية والتغيير) بل استخدم فيه مفردات الشاب الثوار كسباً لرضاء الشارع الملتهب .

بيد إنه رغم عودة العسكريون إلى مائدة التفاوض مجدداً لكنه في النهاية مرروا أهم البنود التي كان لها تأثيرها الواضح على مسيرة واستقرار الحكومة الإنتقالية والفترة الإنتقالية ، حيث منحت مجلس السيادة  حق الإشراف على جهاز المخابرات بالإشتراك مع السلطة المدنية وكان الأحرى حصرها على الجهات التنفيذية العليا التي يمثلها رئيس الوزراء مما جعل رئاسة السيادي العسكرية تتولى الإشراف عليه بالكامل تعييناً وإعفاءً وقيادةً له سيما في ظل عجز الحكومة المدنية من تكوين جهاز للأمن الداخلي كما إن ترشيح وزير الداخلية من قبل المكون العسكري أضعف تبعية الشرطة للسلطة المدنية ، كما أشارت الوثيقة إلى أن صلاحيات السيادي تشريفية لكنها أضافت عبارة سلطات تنفيذية محدودة وهو أمر مكن مجلس السيادي في إصدار العديد من القرارات التي إتفقت المصادر السياسية بأنها تتجاوز نصوص صلاحياته حيث أن الإشارة إلى ثمة صلاحيات تنفيذية في الوثيقة الدستورية كان ينبغي ألا يتم إدراجها قفلاً لهذا الباب .

تعديل الوثيقة الدستورية

أشارت مصادر حكومية سودانية لـ(الشرق)، الأحد، أن إجتماعاً ثلاثياً ضم رئيس المجلس السيادي الإنتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ورئيس مجلس الوزراء عبد الله حمدوك، مساء السبت، ناقشوا خلاله القضايا الخلافية القائمة وتعديل الوثيقة الدستورية.

وأضافت المصادر أن الإجتماع ناقش ضرورة تعديل بعض بنود الوثيقة الدستورية لتلائم الإتفاق السياسي الأخير، وتحديداً البند (1) من المادة (15) التي تُلزم رئيس الوزراء بالتشاور مع قوى الحرية والتغيير، وأطراف العملية السلمية لتشكيل الحكومة، كما ناقش الإجتماع تشكيل الحكومة الإنتقالية المرتقبة، وتعيين حكام الأقاليم.

وذكرت أنه تم الإتفاق على تشكيل لجنة قانونية مشتركة من المكون العسكري ومجلس الوزراء وأطراف عملية السلام للعمل على صياغة التعديلات المطلوبة على الوثيقة الدستورية لتلائم الاتفاق السياسي.

غير أنه حتى الآن لم يتم توضيح عما إذا كانت نص المادة التي عدلت في الوثيقة الدستورية بعد التوقيع على إتفاقية سلام جوبا التي تشير إلى إشراك الحركات المسلحة الموقعة على الإتفاق في مجلس الوزراء بأنه سيتم إلغائها بعد الإتفاق السياسي الذي أشار إلى تكوين حكومة كفاءات فقط ، وكانت بعض المصادر أشارت بأن د. عبد الله حمدوك رئيس الوزراء يرفض إشراك الحركات المسلحة في الحكومة الجديدة بإعتبارها حكومة (تكنوقراط) مستقلين سيما فالمعلوم أن هذه الحركات إنحازت للمكون العكسري وشاركت  في ميثاق سياسي وطالبت بحل الحكومة مما يعني بإنها لم تعد مستقلة وإن إشراكها يخل بالمعادلة في السلطة المدنية المستقلة ، وهناك ثمة أسئلة حول المواد التي سيشملها التعديل فالوثيقة تتحدث عن أن مجلس القضاء العالي يختار  كلا من رئيس القضاء والمحكمة الدستورية ومجلس النيابة العامة فهل سيتم الإبقاء على المادة ويتم تفعيلها أم أن صلاحياتها ستنتقل لمجلس السيادة وهل سيتم إدخال مادة في الوثيقة تبيح للعسكريين الترشح وهم في المنظومة العسكرية دون الاستقالة ؟ وهل سيتم منحهم حق التصويت في الإنتخابات القادمة ؟ إذ أن من المتفق عليه إن إبعاد العسكريين من ممارسة العمل السياسي لا تقره كل الدساتير في العالم والمنطقة العربية والإفريقية .

وهل سيتم إدخال بنود جديدة في الوثيقة تعزز من صلاحيات رئيس الوزراء في ظل حكومة كفاءات مستقلة ليس فيها تقاطعات سياسية أم أن رئيس الوزراء يرى أن صلاحياته كافية ويستطيع أن يؤدي بها سلطاته في توازن تحقق له إستقلالية القرار تحت جناح مجلس سيادي يتمتع بصلاحيات واسعة ويسود فيه التفاهم إلى درجة أشبه بالتحالف السياسي .

 

 

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى