في جرد حساب أعوام الثورة الثلاثة..(حرية) (سلام) و (عدالة)… الشعار الذي ألهم وأسكر (الشعب)

تقرير: هبة محمود
هنا وفي هذا التوقيت تحديداً تتجلى ربما للكثيرين مقولات راسخة حول الشعارات التي رفعت إبان ثورة ديسمبر المجيدة.. تتراءى لهم الحقيقة البينة في أن الشعوب تسكرها الشعارات، وأن الشعارات الكاذبة مطية الحكام، هكذا هي الصورة لديهم، سيما في أعقاب اعتراءات المشهد الانتقالي المأزوم وإجراءات البرهان التصحيحية او انقلابه، غير أنه وبالمقابل فإن الصورة تبدو للآخرين مختلفة، وهي أن ركائز الشعار (حرية سلام وعدالة) اكتملت الا بعض منها، وذلك مرده للصراع بين شركاء الحكم في البلاد والتأخر في اكمال المؤسسات المختلفة. وفي غضون هذا التباين في وجهات النظر حول شعار الثورة التي أطاحت نظام البشير، يكون التوقف هنا ضرورة ومدعاة اقتضتها الظروف المعقدة، حول ركائزه الثلاث، ما تحقق وما لم يتحقق..
المثلث المفقود.. الأرضية الخصبة
ربما هي الأرضية الخصبة خلال حكم المخلوع البشير من قمع وكبت للحريات واخلال بالعدالة واستشراء للفساد، هي ما جعل شعار الثورة (حرية سلام وعدالة) يرفع عالياً، ليس ترديداً فحسب بل إيماناً ويقيناً قاطعاً بضرورة إنفاذ هذا المثلث المفقود على أرض الواقع في سودان ما بعد البشير، وبحسب مراقبين تحدثوا لـ (الإنتباهة) فإن الشعار في بداياته لم يكن كاذباً، بل حقيقة تظمأ لها غالبية الشعب، وهو ما جعلهم يرتوون به حد الثمالة، ليجدوا أنفسهم وعقب ثلاثة أعوام من انطلاق الثورة أمام وقفة وجرد حساب لهذا الثالوث، ما تم وما لم يتم.
أما في ما يلي السياسيين فيعتقد المراقبون انهم لم يكونوا على قدر كبير من الظمأ للحرية والسلام والعدالة، بل إنهم اتخذوه مطية للوصول إلى مبتغى مقاعد السلطة، سيما أن ركائز الشعار اختيرت بعناية لما يفتقده النظام في سياسته ويتوق إليه الشعب في ممارساته.. فهل تحقق ما هو مرجو؟
مبتدأ الجرد.. الحرية (الرأي والرأي الآخر)
في مبتدأ جرد الحساب تمر ممارسات الإنقاذ على شريط ذكرى العقود الثلاثة، الأمر الذي مهد كما أشرنا آنفاً إلى الأرضية الخصبة التي وطئت لشعار ثورة ديسمبر، لنجد أن هذا الشريط لم يكن دافعاً لتحقيق ركائز الشعار الثلاث، ففي ملف الحريات يختلط الفهم لدى كثير من العامة ما بين الحرية الشخصية وحرية الرأي والرأي الآخر، مما جعل معظمهم يسيء الفهم، أما على صعيد الدولة فإن هذا الملف وفق متابعين لـ (الإنتباهة) فقد وضع في مكان بعيد عن التناول طوال الفترة الانتقالية، وبحسب المحلل السياسي خالد البشير فإن ملف الحريات لم يكن بحجم التعسف الذي وقع في عهد النظام البائد، وذلك من خلال تكميم الأفواه وحجب العديد من المواقع الإلكترونية والتضييق على الصحف، مما أدى إلى خروج بعضها وذلك بعد تجفيف الإعلان عنها، أما على مستوى القنوات الفضائية فيرى البشير في حديثه لـ (الانتباهة) أن معظمها تم تجييره بشكل مفضوح.
لكن بخلاف تلك الرؤية يؤكد الصحافي والمحلل السياسي عبد الله آدم خاطر أن السودانيين قد وصلوا إلى قمة الشعور بالحرية، موضحاً خلال حديثه لـ (الانتباهة) أن شعارات الثورة الثلاثة هذه نابعة من اليقين اليقظ للشعب السوداني، وأن الحرية كشعار فقد بدأ التنادي به منذ عهد الاستعمار. وعلى الرغم من تصريحات خاطر الا انه يرى أن شعار الحرية لم يكتمل بعد، وذلك ما أكده انقلاب (٢٥) أكتوبر.
السلام.. أحلام النازحين والمهجرين
ويأتي السلام في منتصف شعار الثورة كمطلب ثانٍ بعد تحقق الحريات، لأنه إن لم تكن حراً فلن تستطيع أن تنعم بالسلام، هكذا هي فلسفة المنطق، وبحسب الواقع وشواهد الأمور فإن السلام في أعقاب اتفاق سلام جوبا، قطع شوطاً كبيراً، ولن يكتمل حتى يلتحق كل من رئيس الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو وقائد جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور بركب من سبقوهم من الحركات. وطبقاً للصحافي والمحلل السياسي عبد الله آدم خاطر لـ (الإنتباهة) فإن السلام عملية مستمرة وتأخذ أحجاماً مختلفة، مؤكداً أن الوثيقة المهمة للسلام هي الوثيقة الدستورية ووثيقة سلام جوبا، وعلى الرغم من التشظي بين الموقعين الا ان السلام سيظل مستمراً.
وفي مقابل ذلك يرى المحلل السياسي خالد البشير لـ (الانتباهة) أن أسرع ملف تعاطت معه حكومة الثورة هو ملف السلام، على الرغم من أنه يعتبر ملفاً منقوصاً على حد قوله، لكنه حقق أهدافاً جيدة. ويؤكد البشير أن الملف لن يكتمل الا عقب التحاق عبد الواحد والحلو بركب السلام.
العدالة.. تباطؤ التشكيل واختلال التنفيذ
وفي ملف العدالة آخر ركائز شعار الثورة، تتباطأ العجلة لما يقارب ثلاثة أعوام، فهو وفق خبراء في الشأن العام لم يبارح مكانه، وطبقاً للمحلل السياسي خالد البشير لـ (الانتباهة) فإن الملف هذا ظل يعاني من الاختلال بسبب قوى الحرية والتغيير، لتلكئها في إكمال المؤسسات العدلية لأغراض عدة في مقدمتها أن وجود هذه الاجهزة العدلية يعني منع أي تعاطٍ قانوني بوجه سياسي، وهو ما ترفضه الحاضنة السياسية على حد تعبيره.
ومن جانبه يؤكد الصحافي والمحلل السياسي عبد الله آدم خاطر أن ملف العدالة لم ينجز فيه الكثير للأسف، غير أنه كمبدأ أصبح جزءاً من المطالب، وقال خاطر لـ (الإنتباهة) إن العدالة الانتقالية لن تعود للوراء وهذه الشعارات سوف تظل مستمرة.
المجموعة الحاكمة.. صراع السلطة والمناصب
وفي غضون كل ما ذكر يتهم محللون سياسيون قوى الحرية والتغيير بالإخفاق في تنفيذ ركائز الشعار الأساسي للثورة التي قادتها، وذلك من خلال التشظي الذي أصابها في ظل الاصطراع على السلطة.
وهنا نجتزئ من مقال د. صبحي غندور: (شعارات كاذبة يراد بها باطل) عندما قال فيه: (عندما تعطي التنظيمات والحركات السياسية الدينية الأولوية لتغيير أنظمة الحكم، فذلك يعني بالنسبة لها تحقيق مصالح خاصة بها من خلال بناء أطر حزبية فئوية، ثمّ عملاً سياسياً يومياً وصراعاتٍ لاحقة على السلطة والمناصب، وهذا ما فعلته الكثير من هذه التنظيمات). ود. صبحي تناول في طرحه الشعارات المرفوعة بالنسبة للجماعات السياسية الدينية التي تصعد للحكم، لكن هنا وفي داخل المشهد السياسي السوداني، وإن كان الأمر مختلفاً، لجهة أن الائتلاف الحاكم كان عبارة عن مزيج آيديولوجي متباين، الا ان الحكم بالنسبة له كان تحقيق مصالح خاصة به من خلال بناء أطر حزبية فئوية، ثمَّ عملاً سياسياً يومياً وصراعاتٍ لاحقة على السلطة والمناصب، وهذا ما اوضحته الايام.

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى