تصادف ذكرى رحيل (أبو السيد) و(الحوت) (17) يناير.. مواكب الحزن النبيل والصمود

 

الخرطوم: عماد النظيف

خرجت مواكب حاشدة في الخرطوم ومدن مختلفة البلاد في مليونية (17) يناير التي دعت إليها تنسيقيات لجنة المقاومة رفضاً للانقلاب والمطالبة بالحكم المدني، ويصادف يوم أمس الذكرى التاسعة لرحيل محمود عبد العزيز والذكرى السادسة والعشرين لمصطفى سيد أحمد.

وتسبب العنف المفرط الذي استخدم من قبل قوات الأمن في مقتل عدد من المتظاهرين وإصابات متفاوتة بالرصاص والغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية.

كعادتهم خرج الثوار من كل فج في مليونية (17) يناير في المسارات التي حددتها لجنة المقاومة بالخرطوم، وظلوا أوفياءً لعهد مع الشهداء في تحقيق الدولة المدنية وإنهاء ومقاومة الانقلاب، وخرج الآلاف قبل الزمن المضروب في تقاطع (بـاشدار) بالخرطوم رفضاً للانقلاب، وسرعان ما توجهت تلك المواكب للقصر الجمهوري، حيث واجهتهم قوات الأمن بالغاز للمسيل للدموع والرصاص المطاطي، وجراء القمع المفرط وقع عدد من الإصابات المتفاوتة وسط المتظاهرين السلميين.

شروني قصة صمود

ومارست قوات الأمن قمعاً مفرطاً في موقف (شروني) ضد المتظاهرين، حيث استخدم الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية والرصاص بكثافة لمنع المحتجين من الوصول للقصر الجمهوري، مما تسبب في إصابات خطيرة، وأخرج المتظاهرون فرداً من القوات النظامية كان وسط الموكب وهم يصيحون قائلين: (أطلع بره.. أطلع بره).

وبعد تصاعد وتيرة العنف وجهت لجنة مقاومة مدينة الخرطوم نداءً عاجلاً للثوار والثائرات بتتريس كل شوارع المدينة، وأعلنت التصعيد الكامل بحسب بيان اللجنة الميدانية.

وقالت لجنة أطباء السودان المركزية في بيان لها أمس، إن السلطة الانقلابية تستعمل الرصاص الحي والدوشكا والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع لفض مليونية (17) يناير في الخرطوم، مما أدى لسقوط جرحى ومصابين جارٍ حصرهم، وحذرت من التعدي على المستشفيات والمرافق الصحية.

سيارات بدون لوحات

وفي أم درمان منذ الصباح الباكر رصد انتشار قوات ترتدي زياً عسكرياً وتمتطي سيارات (باكسي) بدون لوحات في حي العباسية العريق، وقامت بمطاردة الثوار في الحي قبيل انطلاق المواكب، لكن هذه الإجراءات التي وصفت بـ (الوقائية) لم تثن أبناء العاصمة الوطنية عن الخروج، فكانت مواكب أم درمان حاشدة وهادرة رغم العنف ضد المتظاهرين.

ثكنة عسكرية

وفي وسط الخرطوم على مقربة من محيط القصر الرئاسي كان الانتشار الأمني مبكراً منذ الصباح وكثيفاً، خاصةً قوات الاحتياطي المركزي أو ما تسمى شعبياً (أبو طيرة)، وتحول شارع القصر ما حوله إلى ثكنة عسكرية بعدد من الجنود والطوق الأمني، وعندما جاء وقت الإفطار وصلت إحدى السيارات التي تتبع لشركة تعمل في إنتاج الدواجن وأنزلت المئات (الكوكتيلات) مليئة بالأكل الدسم للجنود.

وأيضاً قامت قوات أمنية ترتدي زياً مدنياً بتمشيط وحملة اعتقالات في السوق العربي ومحيط ساحة (أتني) التي يتجمع فيها الناشطون.

إصابة المتحدث في الفك

وشهدت مليونية أمس إصابة المتحدث باسم لجان المقاومة بالخرطوم أحمد عصمت بعبوة غاز مسيل للدموع في الفك بمحطة (شروني).

ومع ذلك ترحم مجلس الأمن والدفاع في جلسة طارئة أمس على شهداء الأجهزة النظامية الذين قدموا الأرواح فداءً للوطن، وقرر محاسبة المتورطين وحسم التفلتات في المواكب بقانون الطوارئ والقانون الجنائي، والإفراج عن المشتبه فيهم الذين لم تثبت إدانتهم بالتورط في أعمال إرهابية.

ابقوا الصمود

ويوم أمس يحمل في طياته الحزن والأسى للشعب السوداني الذي فقد خيرة ابنائه الذين قدموا منتوجاً إبداعياً وفنياً مازال خالداً في وجدان الشعب السوداني، حيث تصادف مليونية أمس (17) يناير ذكرى مرور تسع سنوات على رحيل فنان الشباب الأول محمود عبد العزيز، والذكرى (26) لرحيل مصطفى سيد احمد، وكان في مثل هذا اليوم قبل انطلاق ثورة ديسمبر المجيدة يحتفل محبو (الحوت) في استاد الخرطوم الدولي بذكراه، وأحداث الأمس لم تمنعهم من الاحتفال حيث كان الوفاء لأهل العطاء، ورفع المتظاهرون صوراً لمحمود ولافتات مكتوب فيه بعض الأغاني مثل:

 

خوف الوجع

منـــك طلع خوف الوجع سيبك بلاش ما تبقى خوف

أبقــــي الصمود ما تبقي زيف

أبقـــى احتمال نبض الحروف

ما تبقى خوف أبقـــى الصمود

منك بدت خطوات مسير عمري المعطر بغناك

فرح السنين أعتز بيك شـــان أنتي فال ونبيل هواك

دفقك بحر سيل الخريــــــف

زخات تهش منك سنة

يا الضحكة فـــي الزمن الوجيع

عمري البريدك وفي رجاك

ما تبقى خوف أبقـــى الصمود

وكأن التاريخ يعيد نفسه، فقبل سنوات يخاطب محمود بـ (بالبقاء بالصمود)، وها هم الثوار اليوم صامدون أمام الترناسة العسكرية والبمبان والرصاص وكل اشكال العنف من أجل تحقيق الدولة المدنية المنشودة والحرية والسلام والعدالة.

من حقي أغني

وفي الذكرى (26) لمصطفى سيد أحمد نجده قدم ورفد المكتبة السودانية بغناء ثوري رصين مازال يردد في المواكب والأماكن العامة وينتقل من جيل إلى جيل.. على سبيل المثال أغنية (من حقي أغني) التي صاغ كلماتها محمد الحسن سالم حميد التي يقول فيها:

ﻣﻦ ﺣﻘﻲ ﺃﻏﻨﻲ .. ﻟﺸﻌﺒﻲ ﻭﻣﻦ ﺣﻖ ﺍﻟﺸﻌــــــﺐ ﻋﻠﻲّ ..ﻻ ﺑـﺇﻳـــــــــﺪﻙ ﺗﻤﻨﻊ ﻗﻠﺒﻲ ﻭﻻ ﻗﻠﺒﻲ ﻛﻤـــــــــﺎﻥ ﺑﺎﻳﺪﻳﺎ ..ﻋﻠﻤﻨﻲ ﺃﻏﻨﻲ .. ﺍﻟﻄﻴـــــــﻦ .ﺍﻟﻤﺨﺮﻃـــة .. ﻭﺍﻟﻄﻮرﻳـــــــﺔ .. ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺼــــــﺎﺑﺮﺓ .. ﺳﻨﻴﻦ ﺑﺎﻟﺤﺎﻟــــــــــﺔ .. ﺍﻟﻤﺎ ﺩﻏﺮﻳﺔ .. ﺍﻟﻘﺎﺑﻀﺔ ﺍﻟﺠﻤــﺮﺓ ﻓﻲ ﺇﻳــﺪﺍ ﻭﺍﻟﺠﻤــﺮﺓ ﺗﻠﻬﻠـــــﺐ ﺣﻴــﺔ ..ﻻ ﻗــــﺎﺩﺭﺓ ﺍﻟﺠﻤﺮﺓ ﺗﻘﻴـــﺪ إﻻ ﻗــــﺎﺩﺭﺓ ﺗﻮﻟـــــﻊ ﻫـــﻲ .. ﻳﺎ ﻗﻠﺒﻲ ﺑﻼﺵ ﻧﺴﺘﻌﺠـــﻞ.. ﻓﻲ ﺍﻟﺪﺭﺏ ﺷﻮﻳــﺔ ﺷﻮﻳــﺔ

وهذه الكلمات كانت في مليونية أمس تردد بصورة متواصلة مع هتافات ثورية.

 لقاء فولكر

وفي خضم الفعل الثوري المنتظم في الشوارع وتنويع أساليب مقاومة الانقلاب بمختلف الطرق في الصعيد السياسي، قالت لجان المقاومة إنها أكدت لبعثة الأمم المتحدة تمسكها بحكم مدني خالص، مشددةً على عدم جدوى الوثيقة الدستورية كإطار دستوري حاكم للانتقال، وقالت لجان المقاومة في بيان: (اجتمع عدد من ممثلي تنسيقيات لجان المقاومة بولاية الخرطوم، السبت، مع ممثلي المكتب السياسي لبعثة يونيتامس التابعة للأمم المتحدة، تحت مظلة المشاورات السياسية في السودان، واستجابةً لدعوة الأمم المتحدة بمبادرتها للتشاور مع مكونات المجتمع السوداني). وأشارت إلى أنه تم طرح مجموعة تساؤلات من طرف القسم السياسي للبعثة، لفهم وجهة نظر لجان المقاومة حول قضايا الراهن ورؤية اللجان. وتابع البيان قائلاً: (أوضح الممثلون أن المشكلة تفجرت عندما سيطر المكون العسكري على السلطة عبر انقلاب (25) أكتوبر، وسيطر على مفاصل الدولة بعد أن مهد لذلك خلال فترة وجوده شريكاً فيها)، وأضاف قائلاً: (تحدث الممثلون عن أن المشكلة تكمن في عرقلة المكون العسكري المسار الديمقراطي، عبر ممارساته قبل وبعد الانقلاب، بدايةً من فرض حالة الطوارئ والقمع والقتل والاعتقال والإخفاء القسري، وغيرها من الانتهاكات المستمرة حتى اليوم). وأوضحت اللجان أن البعثة قالت إن مساعيها تتمثل في إدارة حوار لجوانب الأزمة، وإنها فقط تستطيع المساعدة عن طريق حشد دعم الأطراف الدولية كالأمم المتحدة ودول أصدقاء السودان والدول الأخرى، وتقريب وجهات النظر واستخدام كروت الضغط.

واستطردت في بيانها قائلة إن بعثة الأمم المتحدة أكدت أن ما حدث في (25) أكتوبر انقلاب عسكري، وأجابت بأنها تتعامل مع الحكومة الحالية في إطار المساعدات الإنسانية فقط، وأنه حدث خلل دستوري وشرعي بعد الانقلاب وسقوط اتفاق (21) نوفمبر، وتابعت قائلة: (تم التأكيد على عدم جدوى الوثيقة الدستورية كإطار دستوري حاكم للفترة الانتقالية)، وأوضحت آليات التعامل مع الوضع الحالي بأولويات أهمها إسقاط المجلس العسكري والانقلاب ومحاسبة مرتكبي الجرائم والانتهاكات منذ 1989م وحتى تاريخ اللحظة. وأمنت لجان المقاومة على التمسك بحكم مدني انتقالي خالص، وإبعاد العسكر بشكل تام عن الممارسة السياسية، وإدارة الانتقال عبر توافق مع مكونات الثورة والقوى الرافضة للانقلاب والداعمة للميثاق السياسي الذي تقوم بصياغته لجان المقاومة، وهو في طور المشاورات مع الولايات، واختتمت اللجان بيانها قائلة: (تم التوضيح أن الميثاق السياسي المزمع إعلانه سيقدم إجابات بشكل شافٍ للآليات وتصورات هياكل الحكم المطلوبة، كما تم تسليم مذكرة تؤكد الموقف الثابت من رفض الشراكة والتفاوض والمساومة مع اللجنة الأمنية الحالية).

 

 

اضغط هنا للانضمام لمجموعات الانتباهة على تطبيق واتساب
زر الذهاب إلى الأعلى